سورة هود الآية ( 89 - 95 )
أي وأرسلنا إلى مدين وهم قوم شعيب أخاهم في النسب شعيبا ، وسموا مدين باسم أبيهم ، وهو مدين بن
إبراهيم ، وقيل باسم مدينتهم . قال النحاس : لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة ، وقد تقدم الكلام على هذا في
الأعراف بأبسط مما هنا ، وقد تقدم تفسير ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) في أول السورة ، وهذه
الجملة مستأنفة ، كأنه قيل : ماذا قال لهم شعيب لما أرسله الله إليهم ؟ وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب
الأنبياء لحسن مراجعته لقومه ، أمرهم أولا بعبادة الله سبحانه الذي هو الإله وحده شريك له ، ثم نهاهم عن أن
ينقصوا المكيال والميزان ، لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف ، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد
وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد ، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص ، وجملة ( إني
أراكم بخير ) تعليل للنهي : أي لا تنقصوا المكيال والميزان لأني أراكم بخير : أي بثروة وسعة من الرزق فلا
تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده ، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها ، ثم
ذكر بعد هذه العلة علة أخرى ، فقال ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب
الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا ، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب ، لأن العذاب
واقع في اليوم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا ، واليوم
هو يوم القيامة ، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة ، ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله
( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ) والإيفاء هو الإتمام ، والقسط العدل ، وهو عدم الزيادة والنقص وإن
كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير ، ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل ، والنهي عن النقص وإن كان يستلزم
الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن ، ثم زاد ذلك تأكيدا فقال ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم )
قد مر تفسير هذا في الأعراف ، وفيه النهي عن البخس على العموم ، والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس
بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولا أوليا ، وقيل البخس المكس خاصة ، ثم قال ( ولا تعثوا في الأرض
مفسدين ) قد مر أيضا تفسيره في البقرة ، والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس فيدخل
فيه ما في السياق من نقص المكيال والميزان ، وقيده بالحال وهو قوله ( مفسدين ) ليخرج ما كان صورته من العثي
في الأرض ، والمقصود به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة ( بقيت الله خير لكم ) أي ما يبقيه لكم من
فتح القدير — صفحة 518
مساهمون: الشوكاني
ص٥١٨