نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الأبطال
وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا اثنى عشر ألفا ، وقيل أحد عشر ألفا ، وقيل ستة
عشر ألفا ، فقال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة ، فوكلوا إلى هذه الكلمة فلم تغن الكثرة شيئا عنهم ، بل انهزموا
وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت معه طائفة يسيرة منهم عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث ، ثم
تراجع المسلمون فكان النصر والظفر . والإغناء : إعطاء ما يدفع الحاجة : أي لم تعطكم الكثرة شيئا يدفع حاجتكم ولم
تفدكم . قوله ( بما رحبت ) الرحب بضم الراء : السعة ، والرحب بفتح الراء : المكان الواسع ، والباء بمعنى مع ، وما
مصدرية ، ومحل الجار والمجرور النصب على الحال . والمعنى : أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت
عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل ، وقيل إن الباء بمعنى على : أي على رحبها ( ثم وليتم مدبرين ) أي
انهزمتم حال كونكم مدبرين : أي مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم . قوله ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله
وعلى المؤمنين ) أي أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين ،
والمراد بالمؤمنين : هم الذين لم ينهزموا ، وقيل الذين انهزموا ، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك
وقاتلوا وانتصروا ، قوله ( وأنزل جنودا لم تروها ) هم الملائكة .
وقد اختلف في عددهم على أقوال : قيل خمسة آلاف ، وقيل ثمانية آلاف ، وقيل ستة عشر ألفا ، وقيل
غير ذلك ، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة . واختلفوا أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا ؟ وقد تقدم
أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر ، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين ، وإدخال الرعب في
قلوب المشركين ( وعذب الذين كفروا ) بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبى الذرية ، والإشارة
بقوله ( وذلك ) إلى التعذيب المفهوم من عذب ، وسمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف
بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيما له ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ) أي
من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام ( والله غفور ) يغفر لمن أذنب فتاب ( رحيم ) بعباده
يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه .
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : حنين ما بين مكة والطائف ، قاتل نبي الله هوازن
وثقيف ، وعلى هوازن مالك بن عوف ، وعلى ثقيف عبد يا ليل بن عمرو الثقفي . وأخرج ابن المنذر عن الحسن
قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين اجتمعنا ، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم ، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ينادي أحياء العرب : إلي إلي ، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه ، فالتفت إلى
الأنصار وهم ناحية فناداهم : يا أنصار الله وأنصار رسوله ، إلي عباد الله أنا رسول الله ، فجثوا يبكون وقالوا :
يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله ، فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله عليهم . وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع أن رجلا قال يوم حنين : لن نغلب
من قلة ، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) قال
الربيع : وكانوا اثنى عشر ألفا ، منهم ألفان من أهل مكة . وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي في
الدلائل عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين ، فولى عنه الناس وبقيت
فتح القدير — صفحة 348
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٨