معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر ، وهم الذين
أنزل الله عليهم السكينة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما ، فقال : ناولني كفا
من تراب ، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا ، وولى المشركون أدبارهم . ووقعة حنين مذكورة
في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلان نطول بذلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( وأنزل
جنودا لم تروها ) قال : هم الملائكة ( وعذب الذين كفروا ) قال : قتلهم بالسيف . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد
ابن جبير قال : في يوم حنين أمد الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين
قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين . وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن
جبير بن مطعم قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين
القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ، لم أشك أنها الملائكة ، ولم تكن إلا هزيمة القوم .
سورة براءة الآية ( 28 - 29 )
النجس مصدر لا يثنى ولا يجمع ، يقال رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ،
ورجال نجس ، ونساء نجس ، ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها ، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو
تخفيف من المحرك . قيل لا تستعمل إلا إذا قيل معه رجس ، وقيل ذلك أكثري لا كلي . والمشركون مبتدأ ، وخبره
المصدر مبالغة في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة ، أو على تقدير مضاف : أي ذوو نجس ، لأن معهم
الشرك وهو بمنزلة النجس . وقال قتادة ومعمر وغيرهما : إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا
يتجنبون النجاسات .
وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية . وروى عن الحسن
البصري وهو محكى عن ابن عباس . وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن
الكافر ليس بنجس الذات ، لأن الله سبحانه أحل طعامهم ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك من
فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم ، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده . قوله ( فلا
يقربوا المسجد الحرام ) الفاء للتفريع ، فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم . والمراد بالمسجد الحرام
جميع الحرم ، روى ذلك عن عطاء ، فيمنعون عنده من جميع الحرم ، وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد
الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم .
وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد ، فذهب أهل المدينة إلى منع كل
مشرك عن كل مسجد . وقال الشافعي : الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ، فلا يمنعون من
دخول غيره من المساجد . قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ، لأن قوله تعالى ( إنما المشركون نجس )
فتح القدير — صفحة 349
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٩