إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين ، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون ، ثم حكم عليهم
بالظلم وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه ، وفي هذا إشارة إلى الفريق
المفضول ، ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ( الذين آمنوا ) إلى آخره : أي الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال
والأنفس ( أعظم درجة عند الله ) وأحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحيطة الباطلة ،
وفي قوله ( عند الله ) تشريف عظيم للمؤمنين ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المتصفين بالصفات المذكورة ( هم
الفائزون ) أي المختصون بالفوز عند الله ، ثم فسر الفوز بقوله ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها
نعيم مقيم ) والتنكير في الرحمة والرضوان والجنات للتعظيم ، والمعنى أنها فوق وصف الواصفين وتصور المتصورين .
والنعيم المقيم : الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه ، وذكر الأبد بعد الخلود تأكيد له ، وجملة ( إن الله عنده أجر
عظيم ) مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل : أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده
عظيم يهب منه ما يشاء لمن يشاء ، وهو ذو الفضل العظيم .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ما كان للمشركين أن
يعمروا مساجد الله ) وقال ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) فنفى المشركين من المسجد ( من آمن
بالله ) يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله ( وأقام الصلاة ) يعني الصلوات الخمس ( ولم يخش إلا الله ) يقول :
لم يعبد إلا الله ( فعسى أولئك ) يقول : أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم - عسى أن يبعثك
ربك مقاما محمودا - يقول إن ربك سيبعثك مقاما محمودا ، وهي الشفاعة ، وكل عسى في القرآن فهي واجبة .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي سعيد
الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " قال
الله تعالى ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) . وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة
المساجد وعمارتها والتردد إليها للطاعات . وأخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان
والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج ، وقال آخر : بل
عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم ، فزجرهم عمر ، وقال : لا ترفعوا أصواتكم
عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يوم الجمعة ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه ، فأنزل الله ( أجعلتم سقاية الحاج ) إلى قوله ( لا يهدى القوم
الظالمين ) . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية ، وذلك أن
المشركين قالوا عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد ، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به
من أجل أنهم أهله وعماره ، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم ، فقال لأهل الحرم من المشركين - قد كانت
آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون . مستكبرين به سامرا تهجرون - يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم .
وقال به سامرا كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فخير الإيمان بالله والجهاد مع
نبي الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السعاية ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به وإن كانوا يعمرون
بيته ويخدمونه قال الله ( لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين ) يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة
فسماهم ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا ، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن
فتح القدير — صفحة 345
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٥