رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي أهم هم ، وقول الآخر :
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمانيا
أي أبسبع ، وقيل المعنى : وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول ، وقيل المعنى على حذف مضاف : أي هذا
دليل ربي ( فلما أفل ) أي غرب ( قال ) إبراهيم ( لا أحب الآفلين ) أي الآلهة التي تغرب ، فإن الغروب تغير من
حال إلى حال ، وهو دليل الحدوث ( فلما رأى القمر بازغا ) أي طالعا ، يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ،
والبزغ : الشق كان يشق بنوره الظلمة ( فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ) أي لئن لم يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة
( لأكونن من القوم الضالين ) الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير ( فلما رأى الشمس
بازغة ) بازغا وبازغة منصوبان على الحال ، لأن الرؤية بصرية ، وإنما ( قال هذا ربي ) مع كون الشمس مؤنثة ،
لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش - وقيل هذا الضوء ، وقيل الشخص ( هذا أكبر ) أي بما تقدمه من
الكوكب والقمر ( قال يا قوم إني برئ مما تشركون ) أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها ، وما
موصولة أو مصدرية ، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلا على ذلك بأفولها الذي هو
دليل حدوثها ( إني وجهت وجهي ) أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل ، وذكر الوجه لأنه العضو
الذي يعرف به الشخص ، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم . وقد تقدم معنى ( فطر السماوات والأرض
حنيفا ) مائلا إلى الدين الحق . قوله ( وحاجه قومه ) أي وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ما يدعونه
من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة ، فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال ( أتحاجوني
في الله ) أي في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد . وقرأ نافع بتخفيف نون أتحاجوني . وقرأ الباقون بتشديدها
بإدغام نون الجمع في نون الوقاية ونافع خفف فحذف إحدى النونين ، وقد أجاز ذلك سيبويه . وحكى عن
أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن ، وجملة ( وقد هداني ) في محل نصب على الحال ، أي هداني إلى توحيده
وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية . قوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) قال : هذا
لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه : أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر
ولا ينفع ، والضمير في به يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في ( ما تشركون به إلا أن يشاء
ربي شيئا ) أي إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه . وذلك منه لا من معبوداتكم
الباطلة التي لا تضر ولا تنفع . والمعنى : على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال . وإثبات الضرر
والنفع لله سبحانه وصدورهما حسب مشيئته ، ثم علل ذلك بقوله ( وسع ربي كل شئ علما ) أي إن علمه محيط
بكل شئ ، فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته ، وإذا شاء إنزال شر بي كان ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
ثم قال لهم مكملا للحجة عليهم ودافعا لما خوفوه به ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم
ينزل به عليكم سلطانا ) أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق . والحال أنكم لا تخافون ما صدر
منكم من الشرك بالله ، وهو الضار النافع الخالق الرازق ، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصا
ولا متحولا ، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم . و ( ما ) في ( ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) مفعول أشركتم :
أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء لله ، أو لمعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها
شركاء له ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها ، فكيف عبدوها واتخذوا آلهة وجعلوها شركاء لله سبحانه ؟
فتح القدير — صفحة 134
مساهمون: الشوكاني
ص١٣٤