إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن
يزيغه أزاغه ) ( 54 ) .
تقدم أن أصابع لم تأت في خبر مقطوع به ، فلا تنسب صفة لله تعالى ،
ثم هي مؤولة .
قال ابن حزم : بين إصبعين بمعنى بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله
عز وجل ونعمه ، إما كفاية تسره ، وإما بلاء يأجره عليه ، والإصبع في اللغة
النعمة ، وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله ، وكلاهما حكمه عز وجل اه .
ونقل البيهقي ( 55 ) عن أبي حاتم أحمد بن محمد الخطيب أنه قال في
تأويل الحديث : قيل معناه تحت قدرته وملكه . وفائدة تخصيصها بالذكر . أن
الله تعالى جعل القلوب محلا للخواطر والإرادات والعزوم والنيات ، وهي
مقدمات الأفعال ، ثم جعل الجوارح تبعا لها في الحركات والسكنات . ودل
بذلك على أن أفعالنا مقدورة لله تعالى مخلوقة ، لا يقع شئ دون إرادته ،
ومثل لأصحابه قدرته القديمة بأوضح ما يعقلون من أنفسهم ، لأن المرء لا
يكون أقدر على شئ منه ، على ما بين إصبعيه ، ويحتمل أنها نعمتا النفع
والدفع ، أو بين أثريه في الفضل والعدل ، يؤيده قوله : إذا شاء أقامه وإذا شاء
أزاغه ، ويوضحه قوله : يا مقلب القلوب ثبت قلبي ، وإنما ثنى لفظ الإصبعين ،
والقدرة واحدة ، لأنه جرى على المعهود من لفظ المثل . قال البيهقي : وزاد
عليه غيره في تأكيد التأويل الأول بقولهم : ما فلان إلا في يدي ، وما فلان
إلا في كفي ، وما فلان إلا في خنصري ، يريد بذلك إثبات قدرته عليه ، لا
أن خنصره يحوى فلانا ، وكيف يحويه وهي بعض من جسمه ؟ وقد يكون فلان
أشد بطشا وأعظم منه جسما اه .
وقال ابن بطال : لا يحمل ذكر الأصابع على الجارحة بل يحمل على
هامش
( 54 ) رواه الطبراني ورجاله ثقات كما في المجمع ( 7 / 211 ) .
( 55 ) في الأسماء والصفات ص ( 341 ) بتحقيق الإمام الكوثري .