ولأن الصدقة إذا أطلقت في التنزيل مقترنة بالصلاة فالمراد بها الزكاة ، لكن يؤخذ من تعليلهم الآتي
ذكرها للتصوير لا للتقيد ( برهان ) حجة ودليل قوي إلى إيمان المتصدق وحبه لربه ورغبته في ثوابه فإن
النقس مجبولة على حب المال ، والشيطان يعد الإنسان الفقر ويزين له الشح والنفس تساعده ، فمخالفة
النفس والشيطان من أقوى البراهين على حب الرحمن * ( ويطعمون الطعام على حبه ) * ( الانسان : 8 )
وهنا تكلفات يمجها السمع فاحذرها ( والصبر ) أي حبس النفس على مشاق الطاعة والنوائب والمكاره
( ضياء ) أي لا يزال صاحبه مستضيئا بنور الحق على سلوك سبيل الهداية والتوفيق ليتحلى بضياء
المعارف والتحقيق فيظفر بمطوبه ويفوز بمرغوبه . وخص الصلاة بالنور ، والصبر بالضياء : مع أن
الضياء أعظم بشهادة * ( هو الذي جعل لكم الشمس ضياء والقمر نورا ) * لأن الصبر أس
جميع الأعمال ، ولولاه لم تكن صلاة ولا غيرها ، ولأن الضوء فيه إحراق ، والنور محض إشراق ،
والصبر شاق مر المذاق ( والقرآن ) أي اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بأقصر سورة منه ( حجة لك )
في تلك المواقف التي تسأل فيها عنه كالقبر والميزان وعقبات الصراط إن عملت بما فيه من امتثال
المأمور وتجنب المنهي ( أو عليك ) في تلك المواطن إن لم تعمل به ، وزعم أن المراد لك أو عليك في
المباحث الشرعية والقضايا الحكمية مما يمجه السمع ، ولما كان هذا مظنة سؤال سائل يقول قد تبين من
هذا التقدير الرشد من الغي فما في حال الناس بعد ذلك حتم لذلك بجملة استئنافية فقال ( كل الناس
يغدو ) أي كل منهم يبكر ساعيا في تحصيل أغراضه ( فبائع نفسه ) من ربها ببذلها فيما يرضاه ( فمعتقها )
من أليم العذاب * ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) * ( أو ) بائع نفسه من
الشيطان بذلها فيما يؤذيها فهو ( موبقها ) أي مهلكها بسبب ما أوقعها فيه من استحقاق العذاب
وكشف الحجاب والإبعاد عن حضرات رب الأرباب ، والفاء في فبائع نفسه تفصيلية وفي فمعتقها سببة
( واعلم ) أن جميع ما مر تقريره هو حاضر ما ذكره النووي ثم القاضي . وقال الطيبي بعد إيراده : ولعل
المعنى بالإيمان هنا شعبته كما في حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة والطهور والحمد وسبحان الله
والصلاة والصدقة والصبر والقرآن أعظم شعبها التي تخص وتخصيصها ليان فائدتها وفخامة شأنها ،
فبدأ بالطهور وجعله شطر الإيمان أي شعبة منه ، وتقريره بوجوه : أحدها أن طهارة الظاهر أمارة
لطهارة الباطن ، إذ الظاهر عنوانه فكما أن طهارة الظاهر ترفع الخبث والحدث فكذا طهارة الباطن في
التوبة تفتح باب السلوك للسائرين إليه تعالى ، ولهذا جمعها في قوله * ( إن الله يحب التوابين ويحب
المتطهرين ) * الثاني أنه اشتهر أن من أراد الوفود إلى العظماء يتحرى تطهير ظاهره من
الدنس ولبس الثياب النقية الفاخرة فوافد مالك الملوك ذو العزة والجبروت أولى . قال : وخص الصلاة
بالنور والصبر بالضياء ، لأن فرط الإنارة والصبر تثبت عليه أركان الإسلام ، وبه أحكمت
قواعد الإيمان وختم تلك الشعب بقوله والقرآن حجة لك أو عليك وسلك به مسلكا غير مسلكها
دلالة على كونه سلطانا قاهرا وحاكما فيصلا ، يفرق بين الحق والباطل حجة الله في الخلق به السادة
فيض القدير شرح الجامع الصغير — صفحة 620
مساهمون: المناوي
ص٦٢٠