أحد الحفاظ الأعيان وأحد الجهابذة الذين طافوا البلاد وهجروا الوساد ، وواصلوا السهاد ، وقطعوا
المعتاد ، طالبين للعلم ، لا يعترى هممهم قصور ولا يثني عزمهم عظائم الأمور وقواطع الدهور ، روى
عن الجمحي وغيره ، وعنه أبو حامد الأسفرايني وأبو سعيد الماليني ، قال البيهقي حافظ متقن لم يكن
في زمنه مثله . وقال ابن عساكر : ثقة على لحن فيه ، مات سنة خمس وستين وثلاثمائة عن ثمان وثمانين
سنة ( في ) كتاب ( الكامل ) أي في كتابه المسمى بالكامل الذي ألفه في معرفة الضعفاء ، وهو أصل من
الأصول المعول عليها والمرجوع إليها ، طابق اسمه معناه ووافق لفظه فحواه ، من عينه انتجع
المنتجعون ، وبشهادته حكم الحاكمون ، وإلى ما قاله رجع المتقدمون والمتأخرون . ( عق للعقيلي ) في كتابه
الذي صنفه ( في الضعفاء ) أي في بيان حال رجال الحديث الضعفاء جمع ضعيف والضعيف بفتح الضاد
في لغة تميم وبضمها في لغة قريش خلاف القوة والصحة . ( خط للخطيب ) الحافظ أحمد بن علي بن ثابت
أبو بكر البغدادي الفقيه الشافعي أحد الأعلام الحفاظ ، ومهرة الحديث ، له نحو خمسين مؤلفا ، ولد
سنة ثنتين وتسعين وثلائمائة ، وسمع خلائق لا يحصون ، وأخذ الفقه عن المحاملي وأبي الطيب . وقال
ابن السمعاني : كان مهابا موقرا ثقة حجة حسن الخط كثير الضبط فصيحا ختم به الحفاظ ، له ثروة
ظاهرة ، وصدقات طائلة ، مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد وحمل جنازته صاحب المهذب ،
ودفن بجانب بشر الحافي . وكان شرب ماء زمزم لذلك وأن يحدث بتاريخه بجامع بغداد وأن يملي
بجامع المنصور فاستجيب له ، وكان سريع القراءة جدا ، قرأ البخاري على كريمة المروزية في خمسة أيام
وسمع علي إسماعيل الضرير البخاري في ثلاث مجالس ، وله نظم حسن منه :
الشمس تشبهه والبدر يحكيه *
والدر يضحك والمرجان من فيه
ومن سرى وظلام الليل معتكر *
فوجهه عن ضياء البدر يغنيه
( فإن كان ) الحديث الذي أعزوه إليه ( في التاريخ ) بغداد المشهور ( أطلقت ) العزو إليه
( وإلا ) بأن كان في غيره من تآليفه المشتهرة المنتشرة ( بينته ) بأن أعين الكتاب الذي هو فيه وقال الحضرمي
وغيره : ولعمري إن تاريخه من المصنفات التي سارت ألقابها بخلاف مضمونها ، سماه : " تاريخ بغداد "
وهو تاريخ العالم كالأغاني للأصبهاني سماه : " الأغاني " وفيه من كل شئ ، و ( أسأل الله ) لا غيره كما
يؤذن به تقديم المعمول كما في : " إياك نعبد " ( أن يمن ) أي ينعم علي ( بقبوله ) مني بأن
يثيبني عليه في الآخرة ، إذ لا معول إلا علي نفعها ( وأن يجعلنا ) أتى بنون العظمة مع أن المقام مقام
تعجيز وإظهار افتقار ، إظهارا لملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى له بتأهيله للعلم امتثالا
لقوله تعالى : " وأما بنعمة ربك فحدث " أولا للتواضع والإشارة إلى أن ذلك الجعل
لا يكون له وحده بل مع إخوانه من الأفاضل أشار إليه التفتازاني ونازعه الشريف ( عنده ) عندية إعظام
وإكرام لا عندية مكان ، تعالى الله عن ذلك ( من حزبه ) بكسر الحاء أي من خاصته وجنده يقال حزب
قومه فتحزبوا أي صاروا طرائف وفلانا يحازب فلانا ينصره ويعاضده ذكره الزمخشري ( المفلحين ) أي
فيض القدير شرح الجامع الصغير — صفحة 38
مساهمون: المناوي
ص٣٨