العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون الورق ، أذلة خاسئين
تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى
بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ،
ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن
للشيطان ، وفغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ
حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه مكدودا في ذات الله ،
مجتهدا في أمر الله قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد أولياء الله مشتمرا ناصحا
مجدا كادحا ، وأنتم في رفاهية من العيس وادعون فاكهون آمنون ) ( 1 ) .
ما أروعها من مقارنة هذه التي عقدتها الزهراء بين أسمى طراز من
الكفاءة العسكرية في دنيا الإسلام يومئذ وبين رجولة مفطومة - إن صح
التعبير - من ملكات البطل ومقومات العسكري الموهوب . بين بسالة هتفت
بآياتها السماء والأرض ، وكتبت بمداد الخلود في فهرس المثاليات
الإنسانية ، وشخصية اكتفت من الجهاد المقدس بالوقوف في الخط الحربي
الأخير - العريش - ويا ليتها اقتنعت بذلك عن الفرار المحرم في عرف
الإسلام ، وفي عرف التضحية ، وفي عرف المفاداة بالنفس لتوحيد الحكومة
السماوية على وجه الأرض .
ولا نعرف في تاريخ الإنسانية موهبة عسكرية بارعة لها من الآثار
الخيرة في حياة هذا الكوكب كالموهبة العلوية الفذة في تاريخ الأبطال ، فإن
مواقف الأمام ( 2 ) في سوح الجهاد وميادين النضال كانت بحق هي الركيزة
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 250 - 251 .
( 2 ) راجع تاريخ الطبري 2 : 25 ، 65 - 66 .