بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل ، فاستشعرت حزنا وبتّ بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها [ 1 ] ، ولا يطلع نورها ، فظللت أقاسى طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت ، فهتف بي هاتف ، وهو يقول :
خطب أجلّ أناخ بالإسلام * بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبي محمد فعيوننا * تذرى الدموع عليه بالتّسجام
قال أبو ذؤيب : فوثبت من نومي فزعا ، فنظرت إلى السماء ، فلم أر إلَّا سعد الذابح ، فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب ، وعلمت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد قبض ، وهو ميّت من علَّته ، فركبت ناقتي وسرت . فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به ، فعنّ شيهم - يعنى القنفذ ، وقد قبض على صلّ - يعني الحية - فهي تلتوى عليه ، والشّيهم يقضمها حتى أكلها ، فزجرت ذلك ، فقلت : الشيهم شيء مهم ، والتواء الصلّ التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أوّلت أكل الشيهم إياها غلبة [ 2 ] القائم بعده على الأمر ، فحثثت ناقتي ، حتى إذا كنت بالغابة فزجرت الطائر ، فأخبرني بوفاته ، ونعب غراب سانح ، فنطق بمثل ذلك ، فتعوّذت باللَّه من شرّ ما عنّ لي في طريقي ، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلَّوا بالإحرام . فقلت : مه قالوا :
قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا ، فأتيت بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصبت بابه مرتجا ، وقيل : هو مسجّى ، وقد خلا به أهله . فقلت : أين الناس ؟ فقيل : في سقيفة بنى ساعدة ، صاروا إلى الأنصار . فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر ، وعمر ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وسالما ، وجماعة من قريش ، ورأيت الأنصار فيهم : سعد بن عبادة بن دليم ،
هامش
[ 1 ] الديجور : الظلام .
[ 2 ] في ى : وغلبة .