وسجد النبي والمشركون الحاضرون معه ، فرحاً بما جاء في تينك الجملتين من الثناء على
آلهتهم .
ولكن الآيات التي وقعت بعدهما ، واسترسل النبي في تلاوتها عبارة عن قوله سبحانه :
( تِلْكَ إذاً قِسْمَةٌ ضِيزى * إنْ هِيَ إلاّ أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ
وَآباؤُكُمْ ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) ( 1 ) إلى آخر الآيات .
وعندئذ يطرح هذا السؤال ، وهو انّه كيف رضي متكلّم العرب ومنطيقهم وحكيمهم وشاعرهم :
الوليد بن المغيرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا الثناء القصير ، وغفل عن
الآيات اللاحقة التي تندد بآلهتهم بشدة وعنف ، ويعدّها معبودات خرافية لا تملك من
الإلوهية إلاّ الاسم والعنوان ؟ !
أوليس ذلك دليلاً على أنّ جاعل القصة من الوضّاعين الكذّابين الذي افتعل القصة في
موضع غفل عن أنّه ليس محلاً لها ، وقد قيل : لا ذاكرة لكذوب .
ورابعاً : أنّ الله سبحانه يصف في صدر السورة نبيه الأكرم بقوله : ( وَما يَنْطِقُ
عَنِ الْهَوى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْىٌ يُوحى ) ( 2 ) وعندئذ كيف يصح له سبحانه أن يصف
نبيه في أوّل السورة بهذا الوصف ، ثم يبدر من نبيه ما ينافي هذا التوصيف أشد
المنافاة وفي وسعه سبحانه صون نبيه عن الانزلاق إلى مثل هذا المنزلق الخطير ؟ !
وخامساً : أنّ الجملتين الزائدتين اللّتين أُلصقتا بالآيات ، تكذبهما سائر الآيات
الدالة على صيانة النبي الأكرم في مقام تلقّى الوحي والتحفظ عليه وإبلاغه كما مرّ
في تفسير قوله سبحانه : ( فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
رَصَداً ) . ( 3 )
هامش
1 . النجم : 22 - 23 .
2 . النجم : 3 - 4 .
3 . الجن : 27 .