وألجمها بأشد الوجوه عندما راودته من هو في بيتها ( وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ
لَك ) فأجاب بالرد والنفي بقوله : ( مَعاذَ اللهِ إنَّهُ رَبّي أحْسَنَ مَثْواي إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ) . ( 1 )
وهذا موسى كليم الله وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر ، فقدم
إليهما قائلاً : ما خطبكما فقالتا : إنا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ،
وعند ذلك لم يتفكر في شئ إلاّ في رفع حاجتهما ، ولأجل ذلك سقى لهما ثم تولّى إلى
الظل قائلاً : ( رَبّ إنّي لِما أنْزَلْتَ إلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ( 2 ) . ( 3 )
وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم أبّان شبابهم إلى
زمان بعثتهم التي تصدت لذكرها الكتب السماوية وقصص الأنبياء وتواريخ البشر .
فهذه العوامل ، الداخل بعضها في إطار الاختيار والخارج بعضها عن إطاره أوجدت قابليات
وأرضيات صالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك الفيض العظيم ، فعندئذ تكون
العصمة مفخرة للنبي صالحة للتحسين والتبجيل والتكريم .
وإن شئت قلت : إنّ الله سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم ، ومصير حالهم
وعلم أنّهم ذوات مقدسة ، لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة لاستعانوا بها في طريق الطاعة
وترك المعصية بحرية واختيار ، وهذا العلم كاف لتصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم بخلاف
من يعلم من حاله خلاف ذلك .
هامش
1 . يوسف : 23 .
2 . القصص : 23 - 24 .
3 . لاحظ قصة موسى في دفعه القبطي المعتدي على إسرائيلي في سورة القصص الآيات : 15 -
20 وفي ذلك يقول : ( رب بما أنعمت علىّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) ( القصص : 17 ) .