1 . العصمة الدرجة القصوى من التقوى
العصمة ترجع إلى التقوى بل هي درجة عليا منها ، فما توصف به التقوى وتعرف به تعرف
وتوصف به العصمة .
لا شك أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي ،
فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال ،
وذميم الفعال على وجه الإطلاق ، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية ،
فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره .
إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية من
الشجاعة والعفة والسخاء ، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً ، سخياً وباذلاً ، وعفيفاً
ونزيهاً ، يطلب في حياته معالى الأُمور ، ويتجنب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من
الآثار ، كالخوف والجبن والبخل والإمساك ، والقبح والسوء ، ولا يرى في حياته أثراً
منها .
ومثله العصمة ، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى ، وصارت تلك الحالة راسخة في
نفسه يصل الإنسان إلى حد لا يرى في حياته أثر من العصيان والطغيان ، والتمرّد
والتجرّي ، وتصير ساحته نقية عن المعصية .
وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام ؟ وما هو العامل الذي يمكنه من هذه
الحالة ؟ فهو بحث آخر سنرجع إليه في مستقبل الأبحاث .
فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها ، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة
المطلقة والعصمة النسبية .
فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختص بطبقة خاصة من الناس لكن
عصمة الأنبياء في القرآن الكريم — صفحة 21
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢١