أضف إلى ذلك أنّه لم يثبت أنّ عيسى جاء بأحكام كثيرة ، بل الظاهر أنّه جاء لتحليل
بعض ما حرّم في شريعة موسى ( عليه السلام ) قال سبحانه : ( وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ
يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِمَ عَلَيْكُمْ
وَجِئْتُكُمْ بآيَةٍ مِن رَبِكُم فَاتَّقُوا اللهَ وَأطِيعُونِ ) ( 1 ) فلو كان
النبي عاملاً بشريعة عيسى ففي الحقيقة يكون عاملاً بشريعة موسى المعدّلة بما جاء به
عيسى .
د . اتفقت الآثار على كونه أفضل الخلق واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً ، قال
الشيخ الطوسي : إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من جميع الأنبياء ولا يجوز أن
يؤمر الفاضل باتّباع المفضول ، ولم يخص أحد تفضيله على سائر الأنبياء ، بوقت دون
وقت ، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات .
وهذه الوجوه وإن كان بعضها غير خال من الإشكال لكن الجميع يزيّف القول بأنّه كان
يعمل بشريعة من قبله .
وأمّا دليل من قال بهذا القول فضعيف جداً حيث قال : كيف يصح أن يقال : إنّه لم يكن
متعبداً بشريعة من تقدّم مع أنّه كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر ويذكّي ويأكل المذكّى
ويركب البهائم ؟ ( 2 )
وفيه أوّلاً : إنّ بعض ما ذكره يعد من المستقلات العقلية ، فتكفي فيه هداية العقل
ودلالته .
وثانياً : إنّ الدليل أعم من المدّعى ، لأنّ عمله كما يمكن أن يكون مستنداً إلى
شريعة من قبله ، يمكن أن يكون مستنداً إلى الوحي إليه ، لا اتّباعاً لشريعة ، وسوف
هامش
1 . آل عمران : 50 .
2 . الذريعة : 2 / 596 ؛ العدة : 60 - 61 .