وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الطباطبائي :
فقد كان يوسف رجلاً ، ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء ، وكان شاباً ، بالغاً أشده ،
وذاك أوان غليان الشهوة وفوران الشبق ، وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب
الألباب ، والجمال والملاحة يدعوان إلى الهوى ؟ هذا من جانب ، ومن جانب آخر كان
مستغرقاً في النعمة وهنيئ العيش ، محبوراً بمثوى كريم ، وذلك من أقوى أسباب التهوّس ،
وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال كما هو الحال في حرم الملوك والعظماء ، وكانت لا
محالة متزيّنة لما يأخذ بمجامع كل قلب ، وهي عزيزة مصر - ومع ذلك - عاشقة له والهة
تتوق نفسها إليه ، وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف ، وذلك كلّه
مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان وقد تعرّضت له ، ودعته إلى نفسها ، والصبر مع التعرّض
أصعب ، وقد راودته هذه الفتّانة وأتت بما في مقدرتها من الغنج والدلال ، وقد ألّحت
عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدت قميصه ، والصبر معه أصعب وأشق ، وكانت عزيزة لا يرد
أمرها ولا يثنى رأيها ، وهي رتبة خصّها بها العزيز ، وكان في قصر زاه من قصور الملوك
ذي المناظر الرائعة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنيئ .
وكانا في خلوة ، وقد غلّقت الأبواب وأرخت الستور ، وكان لا يأمن من الشر مع
الامتناع ، وكان في أمن من ظهور الأمر وانتهاك الستر ، لأنّها كانت عزيزة ، بيدها
أسباب الستر والتعمية ، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كانت مفتاحاً لعيش هنيء
طويل ، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من
آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزّة والمال .
فهذه أسباب وأُمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدّته ، أو أقبلت على صخرة صمّاء
لأذابتها ، ولم يكن هناك ممّا يتوهم مانعاً إلاّ الخوف من ظهور الأمر ، أو
عصمة الأنبياء في القرآن الكريم — صفحة 137
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٧