حجرا فوق حجر في ذلك البناء الشامخ ، وأنه لا بد له من مساعدين أكفياء يستند
إليهم في مهمته الشاقة ، وأنه لا مناص من أجل ذلك من أن يجمع عددا من الناس
المختارين ، سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها ، فوافق هولاكو على ذلك ( 1 ) .
وهنا هب نصير الدين إلى اختيار رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن
عبد الله المراغي ، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلامية ، وتأمين العلماء
النازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم ، ثم دعوة كل من يراه متفوقا في علمه وعقله
من غير النازحين .
مضى العمل منظما دقيقا وانصرف العلماء بإشراف الطوسي منفذين مخططا
مدروسا ، فلم يمض كبير وقت حتى كانت المكتبات تغص بالكتب ، وحتى كانت
مكتبة مراغة بالذات تضم مجموعة قل أن اجتمع مثلها في مكتبة أخرى ، وحتى
كانت المدارس تقام في كل مكان ، وحتى كانت الثقافة الإسلامية تعود حية سوية ،
وحتى كانت النفوس مشبعة بالأمل والقلوب مليئة بالرجاء ، وحتى كان الدعاة
ينطلقون في كل صوب والهداة ينتشرون على كل جهة . . . ( 2 ) .
ثم يموت هولاكو ، ولكن الإسلام الذي أراد له هولاكو الموت يظل صحيح
البنية ، متوهج الفكر ، ثم يموت ابن هولاكو وخليفته ( ابقاخان ) والإسلام لا يزال
بقيادة الطوسي صامدا ، يقاتل ويقاوم ويهدي .
ويأتي بعد ابقاخان ، ابن هولاكو الآخر ( تكودار ) فإذا بالإسلام ينفذ إلى قلبه
هامش
( 1 ) أول مرصد هو مرصد ( أبرخسن ) في اليونان أنشئ قبل الميلاد ، وبعده بحوالي ثلاثة
قرون أنشئ مرصد بطليموس في الإسكندرية . أما في الإسلام فإن أول مرصد أنشئ
كان مرصد الخليفة المأمون في بغداد . وفي أواخر القرن الثالث أنشئ مرصد محمد
جابر البستاني في الشام ، وأنشئ في مصر المرصد الحاكمي وأنشئ في بغداد مرصد
آخر .
( 2 ) قال ابن الفوطي في كتابه ( مجمع الآداب ) : اتفق الحكماء الخمسة على رصد مراغة
في أيام السلطان الأعظم هولاكو سنة 657 ورئيسهم نصير الدين الطوسي ، وهم فخر
الدين الخلاطي وفخر الدين محمد بن عبد النلك المراغي ومؤيد الدين العرضي ونجم
الدين القزويني ، وهؤلاء هم الذين اختارهم نصير الدين وأنفذ السلطان في طلبهم .