وأمّا التصوّف الذي أخذ طابعاً مزرياً عند بعض الشيعة فلا يمكن تحميله على كافّة الشيعة « وإذا كنّا نجد من بين فقهائه - الشيعة - من حمل نزعة صوفيّة ، فإنّ هذا لا يتجاوز أن يكون اتّجاهاً زهديّاً فرديّاً ، لم يُرد له أن ينتهي أو ينتمي إلى مدرسة التصوّف ، أو بدور حول فلسفة معيّنة شأن الاتّجاهات الصوفيّة الكاملة . بل ظلّ أبطاله منهم فقهاء في أعماقهم ، فقهاء بالمعنى الشيعي » ( 1 ) . وقد يكون هذا الخلط في نسبة التصوّف إلى الشيعة ناشئاً من بروز بعض العرفاء الإلهيّين من الشيعة الذين لم يكن لهم أي علاقة بالطرق الصوفيّة وما نالها من تحريف وضلال ، فاشتبه الأمر على البعض فنسب هؤلاء العرفاء الشيعة إلى التصوّف ومالوا إلى القول بتحميل الشيعة وزر ما قام به بعض جهلة الصوفيّة . ولذا نرى أنّ الشهيد مطهّري يميّز بين الصوفيّة ما قبل القرن التاسع والصوفيّة ما بعد القرن التاسع ; ففي المرحلة الأولى ( ما قبل القرن التاسع ) « كانت الشخصيّات العلميّة والثقافيّة في العرفان منضمّة بأجمعها إلى السلاسل الصوفيّة ، وكان أقطاب الصوفيّة من الشخصيات الثقافيّة والعلميّة الكبيرة في العرفان ، وتركت مصنّفات عظيمة في هذا الصدد ، إلاّ أنّها ما إن تجاوزت القرن التاسع حتّى اتّخذت لنفسها منحىً آخر » ( 2 ) ، وفي هذا برهان ساطع على ما ذهبنا إليه في مقدّمة هذا البحث من أنّ الصوفيّة كانت في بدء مسارها التاريخي طريقة تتوافق مع الإسلام ومناهجه
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 77
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٧٧
هامش
( 1 ) المهاجر ، جعفر ، الهجرة العامليّة إلى إيران في العصر الصفوي ، دار الروضة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1420 ه - . 1989 م : ص 208 .
( 2 ) الكلام - العرفان - الحكمة العمليّة ، مصدر سابق : ص 96 .