الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أُعدَّ لهم زادهم خوفاً ولفرائصهم ارتعاداً ، وبذلك يساقون إلى الانتهاء عن التعدّي لحدود الله سبحانه . قوله : « وأحسن منها الصبر عن المعصية حياءً » يعني أن يصبر عن المعصية لأجل الحياء من الله تعالى ، وإنّما كان الصبر عن المعصية حياءً أحسن من الصبر عن المعصية خوفاً ، لأنّ الحياء شيم الأشراف والأحرار ، والخوف في العادة شيم العبيد . وفيه معنىً آخر ، وهو أنّ الحياء من الله تعالى يدلّ على حضور القلب معه ، وغيبته عن الحياء المذكور نظراً إلى العقوبة ، والخوف يدلّ على حضور القلب مع العقوبة لا مع الله ، فصاحب الحياء حاضر مع الله تعالى ، وصاحب الخوف غائب لأنّه غير مراع جناب سيّده ، بل راعى حفظ نفسه فهو مع نفسه لا مع الحقّ تعالى ، فبين الحالتين بونٌ ، وبذلك استحسن الأنصاري الصبر عن المعصية حياءً ، أكثر من استحسانه الصبر عنها بمطالعة الوعيد . وكلا المقامين يدلّ على قوّة الإيمان ، غير أنّ الحياء يدلّ على ما فوق الإيمان ، وهو مقام الإحسان ، ألا ترى إلى الحديث النبوي كيف يقول : إنّ مقام الإحسان هو أن تعبد الله كأنّك تراه ( 1 ) ، والحياء إنّما يكون أن يعبد الله كأنّه يراه ، ولولا ذلك لما استحيى ، فإنّ الحياء إنّما يكون من حاضر أو كأنّه حاضر ، وهذا هو درجة المرابطة .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 373
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٧٣
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان والكفر ، باب سؤال جبرئيل النبيّ صلّى الله عليه وآله عن الإيمان والإسلام والإحسان ، الحديث رقم : 50 .