تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤

منه ذلك ، حيث المنطلق والمنتهى فيه واحد وهو الحقّ ، والسائر فيه قد صار وجوده حقّانياً إلهيّاً ، وما دام هو مستغرقاً وفانياً في الوحدة فلا مجال للالتفات للكثرة ( 1 ) .

هامش
( 1 ) لعلّ الروايات الشريفة الحاثّة على العزلة كانت تقصد شريحتين من الناس ، الأُولى - وهي الكبيرة جدّاً - تتمثّل بعامّة الناس دون الخاصّة ، حيث تدعوهم إلى التوجّة إلى عالم الوحدة وترك التعلّق بالكثرة ، بمعنى أن يكون الهدف الأسمى والمحبوب الذي يسير نحوه ويصبو اليه كلّ واحد منهم هو عالم الوحدة لا الكثرة ، ولا تعني العزلة تعطيل الحياة وإنّما أن لا تكون الدُّنيا أكبر همّنا ومبلغ علمنا ، وأمّا الثانية وهي تمثّل طبقة خاصّة جداً من الناس - خواصّهم وعوامّهم - أعني : الواصلين إلى المراتب العليا في المعارف التوحيدية والموطئين أرقى المنازل السلوكية ، حيث تدعوهم إلى العودة إلى السفر الثاني وعالم الوحدة الخالص للتزوّد والاغتراف منه مرّة بعد أُخرى ، وقد عرفت أنّ الرجوع ممكن كما جاء ذلك في الخصوصيّة الرابعة . وينبغي أن يُعلم أن العزلة المشار إليها في الخصوصيّة الرابعة إنّما هي عزلة مجازية ومسامحية ، وأمّا العزلة الحقيقية البائسة فتلك التي يعيشها البائسون - مثلي - المستغرقون في عالم الكثرة ، البعيدون عن عالم الوحدة ، قليلو الحظّ ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم ( - فُصّلت : 35 - كثيرو التسويف . « فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري وقد نزلتُ منزلة الآيسين من خيري ، فمن يكون أسوأ حالا منّي ؟ . . . فما لي لا أبكي ؟ » - مفاتيح الجنان ، ص 252 ، دعاء أبي حمزة الثمالي . فلنبكِ ، وعلينا - لا على غيرنا - فلتبكِ البواكي .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 284 | الشيخ خليل رزق / محمد البدري