تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

الاحتجاب عن عالم الوحدة . بعبارة أُخرى : لا عودة للسالك إلى عالم الحُجب الظلمانيّة المرتبطة بنشأة المادّة والحُجب النورية المرتبطة بنشآت ما فوق المادّة . وإذا ما عاد إلى عالم المادّة والكثرة - كما هو الحال في السفر الثالث والرابع - فإنّها عودة أُخرى تختلف تماماً عمّا كان عليه في أوّل الطريق . فهنالك كان السالك محجوباً عن الوحدة بحُجب ظلمانية وأُخرى نورانية ( 1 ) . وأمّا في عودته فإنّه يعود وهو متمحّض في الحقّانية أي في الوحدة ، فلا تشغله الكثرة عن الوحدة .

هامش
( 1 ) لك أن تسأل قائلا : تعقّلنا كون الحجاب ظلمانيّاً ، وهو المتبادر إلى الذهن ، فكيف يكون الحجاب نورانياً ؟ ! الجواب : إنّ ترك المأمور به ( الواجبات أو المستحبّات ) وفعل المنهيّ عنه ( المحرّمات والمكروهات ) يُوجب حُجباً ظلمانية في القلب ، وهذا واضح . وأمّا الحُجب النورانيّة فإنّ العبد يكون فيها مطيعاً حيث امتثل للأوامر وانتهى عن النواهي ولكن كان ذلك منه طلباً للثواب وتجنّباً للعقاب ; بعبارة أُخرى : إنّ عبادته كانت عبادة التجّار « طلب الأجر » أو عبادة العبيد « تجنّب العقاب » وهذه العبادات وإن كانت مقبولة ، ولعلّها تُدخله الجنّة ، إلاّ أنّها لا تخرج عن كونها حُجباً تحجبه من المقصد والمنتهى وهو الله تعالى ، نعم هي حُجب نورانية لأنّها مأمور بها في صورة الفعل ومنهيُّ عنها في صورة الترك . وأمّا من عبده عبادة الأحرار فذلك الذي كان مقصده الأوحد هو الله تعالى فلم تحجبه تلك الحُجب عن محبوبه الأوحد وقبلته الأولى وكعبته المُثلى . قال أمير المؤمنين علي عليه السلام « إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار » ، نهج البلاغة ، نسخة المعجم المفهرس ، مصدر سابق : 171 ، رقم الحكمة : 237 .