تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١

المرتبة الثالثة : الفناء عن الذات . والأوّل هو المعبّر عنه أيضاً بالفناء الأفعالي ، حيث يصل السالك إلى مرتبة لا يرى فيها أفعاله ، بمعنى أنّه يراها أفعال الله سبحانه وتعالى لا أفعاله الشخصيّة ، وهذا هو معنى عدم الالتفات . وبهذه المرتبة يصل السالك إلى التوحيد الأفعالي ، حيث يرى نفسه آلة - إذا صحَّ التعبير - تصدر من خلالها أفعال الله تعالى ; فليس للأنا فعلٌ يُذكر ، ولذا فهي تترقّق شيئاً فشيئاً * ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) * ( 1 ) ، وعندئذ لا تبقى للعبد الفاني هذا مشيئة ، وإنّما هي مشيئة الله تعالى فقط . والثاني هو المُعبَّر عنه بالفناء الصفاتي ، حيث يفنى العبد عن صفاته وخصائصه وأخلاقه ، بمعنى عدم الالتفات له لا بمعنى انعدامها ، ولذا فهو يرى أنّ ما يتمتّع به من صفات هي مجرّد عارية تلبّس بها وهي عائدة إلى الله تعالى ، فإن أحسّ بالشجاعة - مثلاً - فإنّه لا يأخذه الزهو وإنّما يأخذه الخضوع والتوسّل ، وبهذا الفناء الصفاتي يصل العبد الفاني هذا إلى التوحيد الصفاتي . أمّا الثالث وهو الأرقى والمسمّى بالفناء الذاتي وبه يصل العبد إلى التوحيد الذاتي ، فهو الفناء وعدم الالتفات إلى الذات فضلاً عن أفعالها وصفاتها ، وبذلك لا يرى العبد غير الله تعالى ، وأنّه مجرّد مملوك لا يناسبه حتّى قول « أنا » فضلاً عن الشعور بها ، فيصل به المطاف إلى أن يكون الالتفات إلى نفسه وذاته ذنباً لا يُقاس به ذنب آخر ، وهذا هو

هامش
( 1 ) التكوير : 29 .