والعارف يريد أوّلاً معرفة الواقع ولكن لا من طريق العقل بل من طريق المشاهدة ، ومن طريق المكاشفة ، وهدفه ليس فهم الواقع فهماً صوريّاً وذهنيّاً ، وإنّما هدفه أن يكون هو الواقع وأن يفنى في هذا الواقع ويتذوّقه على ما هو عليه .
فإذا استطعنا أن نميّز أو نبيّن طريق العارف والهدف الذي يبتغيه ، وطريق الفيلسوف والهدف الذي يبتغيه ، نأتي إلى المطلب الثاني وهو : ماذا يقول العارف في الرؤية الكونيّة ؟ وماذا شاهد ؟
وأيضاً الفيلسوف والحكيم إلى ماذا أوصله الاستدلال العقلي ؟
ومجاهدة العارف والسالك إلى الله إلى أين أوصلته هذه المجاهدة ؟
نحن نجد بأنّ الحكيم أوصله استدلاله العقلي إلى أنّ هناك وجوداً لله سبحانه وتعالى ، وهذا الوجود : وجود واجب ، لا متناه ، مطلق . . إلى آخر الصفات التي تذكر في واجب الوجود سبحانه وتعالى ، وأنّ هناك وجوداً آخر ولكنّه وجود إمكانيّ ، ضعيف ، فقير ، مخلوق ، مصنوع . . فالحكيم يقول بأنّ هناك وجودات ، الوجود الأوّل هو وجود الحقّ سبحانه وتعالى ، والوجود الثاني هو وجود المخلوق والمصنوع والممكن على اختلاف التعبيرات ، ففي النتيجة يوجد عنده تعدّد في عالم الوجود ، وتعدّد في الموجوديّة ، ولا يوجد عنده وجود واحد .
وللحكيم برهانه ودليله على ذلك حيث يقول بأنّ الوجود إمّا وجود واجب ، وإمّا وجود ممكن ، والوجود الواجب واحد ويثبت بالدليل أنّه واحد .
فالحكيم يثبت لنا وحدة واجب الوجود لا وحدة الوجود ، لأنّ
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 146
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٤٦