قوله تعالى ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ) قال فيه ( قوله بالغ أمره بيان لوجوب التوكل
على الله وتفويض الأمر إليه الخ ) قال أحمد : ليس بعشك فادرجي ، أيرى القدري التسليم للقدر ، وليس هذا
دينه ولا معتقده من تقسيم الحوادث ثلاثة أقسام : فمنها ما يريد الله تعالى وجوده وهو المأمورات ولا يقع أكثر
مراده منها ، ومنها ما يريد عدمه وهو المنهيات فيوجد أكثرها على خلاف مراده ، ومنها مالا يريد عدمه ولا وجوده
فإن وجد فبغير إرادته عز وجل وإن عدم فكذلك ، فيتحصل من هذا الهذيان الذي لا يتصور أن الكائنات إنما
تتبع إرادة الخلق لأنها لا تقع إلا بها ، فإن وافقت إرادة الله تعالى فليس وقوعها تابعا لها لأنها وقعت بدونها ، وإن
خالفت إرادة الله تعالى لم يكن لمخالفتها للإرادة الربانية تأثير في منع وقوعها ، فمن يتوغل في أدغال هذا الضلال
كيف له بالتوكل الذي يتوقف على اعتقاد أن الكائنات جميعها إنما تتوقف على إرادة الله عز وجل ، فمهما أراده
وقع ومهما لم يرده لم يقع ، شاء العبد أو أبى ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، والعبد مجرى لحدوث الكائنات
الواقعة بقدرة الله تعالى وإرادته لا غير ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، فما القدري من هذا المقام الشريف إلا
على مراحل لا يقربه إليها إلا راحلة الإنصاف وزاد التقوى ودليل التوفيق ، والله حسبنا ونعم الوكيل .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 120
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص١٢٠