قوله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) قال فيه ( هذا أبلغ من أن يقال ادفع بالحسنة السيئة لما فيه من
التفضيل كأنه قال ادفع بالحسنى السيئة ، والمعنى : الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الاحسان ، حتى إذا
اجتمع الصفح والاحسان وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ، وهذه قضية قوله - بالتي هي
أحسن - الخ ) قال أحمد : ما ذكره تقريرا للمفاضلة عبارة عن الاشتراك في أمر والتميز بغيره ، ولا اشتراك بين الحسنة
والسيئة فإنهما ضدان متقابلان ، فكيف تتحقق المفاضلة ؟ قلت : المراد أن الحسنة من باب الحسنات أزيد من
السيئة من باب السيئات ، فتجئ المفاضلة مما هو أعم من كون هذه حسنة وهذه سيئة ، وذلك شأن كل مفاضلة
بين ضدين كقولهم العسل أحلى من الخل : يعنون أنه في الأصناف الحلوة أميز من الخل في الأصناف الحامضة ،
وليس لان بينهما اشتراكا خاصا ، ومن هذا القبيل ما يحكى عن أشعب الماجن أنه قال : نشأت أنا والأعمش في
حجر فلان ، فما زال يعلو وأسفل حتى استوينا ، بمعنى أنهما استويا في بلوغ كل منهما الغاية ، أشعب بلغ الغاية
على السفلة ، والاغمش بلغ الغاية على العلية ، هذا تفسير كلامه عن نفسه . ونعود إلى الآية فنقول : فإنهما قد تدفع
بالصفح والاغضاء ويقنع في دفعها بذلك ، وقد يزاد على الصفح الاكرام وقد تبلغ غايته ببذل الاستطاعة ، فهذه
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 41
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٤١