قوله تعالى ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن
في ملتنا ) الآية قال ( إن قلت : كيف خاطبوا شعيبا بصيغة العود الخ ) قال أحمد : والزمخشري بنى هذا الكلام على
أن صيغة العود تستدعي رجوع العائد إلى حال كان عليها قبل . والتحقيق في الجواب عن السؤال المذكور مع
اقتضاء العود لذلك أن هذا الفعل وإن استعمل كذلك إلا أنه كثيرا ما يرد بمعنى صار ، وحينئذ يجوز أن يكون أخا
لكان ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة ، بل عكس ذلك وهو الانتقال من حال سابقة إلى حالة مؤتنفة مثل
صار وكأنهم قالوا والله أعلم : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا ،
وحينئذ يندفع السؤال أو يسلم استعمال العود بمعنى الرجوع إلى سابق . ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله
تعالى - الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور
إلى الظلمات - والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه ، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الايمان لم
يدخل قط في ظلمة الكفر ولا كان فيها ، وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه ، ولكن
لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده ،
فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله عنه إلى الإيمان إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له
ولطفا به وبالعكس في حق الكافر ، وقد مضى نظير هذا النظر عند قوله تعالى - أولئك الذين اشتروا الضلالة
بالهدى - وهو المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب ، وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة
حجة الله على عباده ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 95
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٩٥