تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
قوله تعالى ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) الآية قال ( إن قلت : كيف خاطبوا شعيبا بصيغة العود الخ ) قال أحمد : والزمخشري بنى هذا الكلام على أن صيغة العود تستدعي رجوع العائد إلى حال كان عليها قبل . والتحقيق في الجواب عن السؤال المذكور مع اقتضاء العود لذلك أن هذا الفعل وإن استعمل كذلك إلا أنه كثيرا ما يرد بمعنى صار ، وحينئذ يجوز أن يكون أخا لكان ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة ، بل عكس ذلك وهو الانتقال من حال سابقة إلى حالة مؤتنفة مثل صار وكأنهم قالوا والله أعلم : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا ، وحينئذ يندفع السؤال أو يسلم استعمال العود بمعنى الرجوع إلى سابق . ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى - الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات - والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه ، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الايمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر ولا كان فيها ، وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه ، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده ، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله عنه إلى الإيمان إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له ولطفا به وبالعكس في حق الكافر ، وقد مضى نظير هذا النظر عند قوله تعالى - أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى - وهو المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب ، وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 95 | أحمد بن محمد الإسكندري المالكي