تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
قول الموحدين في دار الحق - وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله - وانظر تباين هذين القولين : أعني قول المعتزلي في الدنيا وقول الموحد في الآخرة - في مقعد صدق - واختر لنفسك أي الفريقين تقتدي به وما أراك ، والخطاب لكل عاقل تعدل بهذا القول المحكي عن أولياء الله في دار السلام منوها به في الكتاب العزيز قول قدري ضال تذبذب مع هواه وتعصبه في دار الغرور والزوال ، نسأل الله حسن المآب والمآل . عاد كلامه ، قال ( وقوله تعالى : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) المراد ( بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة ) قال أحمد : يعني بالمبطلة قوما سمعوا قوله عليه الصلاة والسلام " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولكن بفضل الله وبرحمته ، قيل ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة " فقالوا : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء هم أهل السنة ، قيل لهم فما معنى قوله تعالى - وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم يعملون - قالوا : الله تفضل بأن جعل الجنة جزاء العمل فضلا منه ورحمة ، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعبادة وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها جمعا بين الدليلين على وجه يطابق دليل العقل الدال على أن الله تعالى يستحيل أن يجب عليه شئ ، فانظر أيها المنصف هل تجد في هذا الكلام من الباطل ما يوجب أن يلقب أصحابه بالمبطلة وحاكم نفسك إليها ، ثم إذا وضح لك أنهم برآء في هذا البر فاعرضه على قوم زعموا أنهم يستحقون على الله تعالى حقا بأعمالهم التي لا ينتفع بوجودها ولا يتضرر بتركها ، تعالى وتقدس عن ذلك ، ويطلقون القول بلسان الجراءة أن الجنة ونعيمها إقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى لا تفضل له عليهم فيه ، بل هو بمثابة دين تقاضاه بعض الناس من مديانه ، وانظر أي الفريقين المذكورين أحق بقلب المبطلة والسلام . عاد كلامه ، قال ( فإن قلت : هلا قيل ما وعدكم ربكم كما قيل ما وعدنا الخ ) قال أحمد : ولقائل أن يقول : ولو ذكر المفعول حسب ذكره في الأول فقيل فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ لكان الفعل مطلقا أيضا باعتبار الموعود به لأنه لم يذكر ، فكان يتناول كل موعود من البعث والحساب والعقاب الذي هو أنواع من جملتها التحسر على نعيم أهل الجنة ، فليس ذلك خاصا بحذف المفعول الواقع على الموعودين ، فالوجه أن حذفه إيجاز وتخفيف واستغناء عنه بالأول ، والله أعلم .