والله أعلم . عاد كلامه قال ( فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله - قدرنا إنها لمن الغابرين ؟ إلخ ) قال أحمد :
وهذه أيضا من دفائنه الاعتزالية في جحد القضاء والقدر واعتقاد أن الأمر أنف ، لأنهم يعتقدون أن الله تعالى
مريد لأكثر أفعال عبيده من معصية ومباح ونحوهما ، ولا مقدر لها على العبيد ، بمعنى أنه مريد ولكنه عالم بما
سيفعلونه على خلاف مشيئته وإرادته ، فالتقدير عندهم هو العلم لا الإرادة ، ثم استدل على أن التقدير هو العلم
بتعليق فعله عن العمل ، وذلك من خواص فعل العلم وأخواته ، فانظر إلى بعد غوره ودقة فطنته في ابتغاء ألسنة
يلفقها ويعاند بها البراهين الواضح فلقها ، وفي كلامه شاهد على رده ، فإن التقدير عنده مضمن معنى العلم ، ومن
شأن الفعل المضمن معنى آخر أن يبقى على معناه الأصلي مضافا إليه المعني الطارئ فيفيدهما جميعا ، فالتقدير إذا كما
أفاد العلم الطارئ يفيد الإرادة أصلا ووضعا والله أعلم ، على أن من الناس من جعل قوله تعالى - قدرنا إنها لمن
الغابرين - من كلامه تعالى غير محكي عن الملائكة وهو الظاهر ، فإن الذي يجعله من قول الملائكة يحتاج في نسبتهم
التقدير إلى أنفسهم إلى تأويل ، ويجعله من باب قول خواص الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا وإنما يعنون دبر الملك
وأمر ، وبذلك أوله الزمخشري وإن كان أصله لا يحتاج معه إلى التأويل ، لأنه إذا جعل قدرنا علمنا أنها لمن الغابرين
فلا غرو في علم الملائكة ذلك بإخبار الله تعالى إياهم به ، وإنما يحتاج إلى التأويل من جعل قدرنا بمعنى أردنا وقضينا
وجعله من قول الملائكة ، والله أعلم
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 394
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٩٤