قوله تعالى ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) قال ( فإن قلت : ما معنى تقليل ودادتهم إلخ ؟ ) قال
أحمد : لا شك أن العرب تعبر عن المعنى بما يؤدي عكس مقصوده كثيرا ، ومنه قوله :
* قد أترك القرن مصفرا أنامله * وإنما يمتدح بالإكثار من ذلك ، وقد عبر بقد المفيدة للتقليل ومنه والله أعلم
- وقد تعلمون أني رسول الله - والمقصود توبيخهم على أذاهم لموسى عليه السلام على توفر علمهم برسالته ومناصحته
لهم . وقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك ، فمنهم من وجهه بما ذكره الزمخشري آنفا من التنبيه بالأدنى على الأعلى ،
ومنهم من وجهه بأن المقصود في ذلك الإيذان بأن المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الصد ، وذلك شأن
كل ما انتهى لنهايته أن يعود إلى عكسه ، وقد أفصح أبو الطيب ذلك بقوله :
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا * للمنتهى ومن السرور بكاء
وكلا هذين الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها ، والعمدة في ذلك على سياق الكلام ، لأنه
إذا اقتضى مثلا تكثيرا فدخلت فيه عبارة يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع بأن المراد المبالغة على إحدى الطريقتين
المذكورتين ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 386
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٨٦