تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
قوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحافظون ) قال ( هذا رد لإنكارهم واستهزائهم إلخ ) قال أحمد : ويحتمل أن يراد حفظه مما يشينه من تناقض واختلاف لا يخلو عنه الكلام المفترى ، وذلك أيضا من الدليل على أنه من عند الله كما قال تعالى في آية أخرى - ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا - . قوله تعالى ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) قال ( معناه : يلقيه في قلوبهم مكذبا به إلخ ) قال أحمد : والمراد والله أعلم إقامة الحجة على المكذبين بأن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويدائها كما سلك ذلك في قلوب المؤمنين المصدقين فكذب به هؤلاء وصدق به هؤلاء ، كل على علم وفهم - ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة - ولئلا يكون للكفار على الله حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإعجاز كما فهمها من آمن ، فأعلمهم الله تعالى من الآن وهم في مهلة وإمكان أنهم ما كفروا إلا على علم معاندين باغين غير معذورين والله أعلم ، ولذلك عقبه الله تعالى بقوله - ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون - أي هؤلاء فهموا القرآن وعلموا وجوه إعجازه ، وولج ذلك في قلوبهم ووقر ولكنهم قوم سجيتهم العناد وشيمتهم اللدد حتى لو سلك بهم أوضح السبيل وأدعاها إلى الإيمان بضرورة المشاهدة ، وذلك بأن يفتح لهم بابا في السماء ويعرج بهم إليه حتى يدخلوا منه نهارا ، وإلى ذلك الإشارة بقوله فظلوا ، لأن الظلول إنما يكون نهارا ، لقالوا بعد هذا الإيضاح العظيم المكشوف : إنما سكرت أبصارنا وسحرنا محمد ، وما هذه إلا خيالات لا حقائق تحتها ، فأسجل عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم في التكذيب من عدم سماع ووعي ووصول إلى القلوب وفهم كما فهم غيرهم من المصدقين ، لأن ذلك كله حاصل لهم ، وإنما بهم العناد واللدد والإصرار لا غير ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 388 | أحمد بن محمد الإسكندري المالكي