قوله تعالى ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) قال ( هذا كناية عن الجناية لأن العفو رادف لها الخ ) قال أحمد رحمه
الله : ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد أمرين : إما أن لا يكون هو المراد ، وإما أن يكون هو
المراد ولكن قد أجل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب وخصوصا في حق المصطفى عليه الصلاة والسلام ،
فالزمخشري على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام ، ولقد أحسن من قال في هذه الآية :
إن من لطف الله تعالى بينه أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء لم أذنت لهم لتفطر قلبه عليه الصلاة
والسلام ، فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام . عاد كلامه ، قال ( قوله
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله - إلى قوله - إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله الآية قال معناه : ليس من عادة
المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا الخ ) قال أحمد : وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا فلا يليق بالمرء أن يستأذن
أخاه في أن يسدى إليه معروفا ، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما ، فإن الاستئذان في أمثال
هذه المواطن أمارة التكلف والتكره ، وصلوات الله على خليله وسلامه لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان
لا يتعاطى شيئا من أسباب الهيؤ للضيافة بمرأى منهم ، فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسول الله صلى عليه وسلم
بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة فقال تعالى - فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين - أي ذهب على خفاء منهم كيلا
يشعروا به ، والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة ، فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك
بها ذوو المروءة وأولو الفتوة ، وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين التثاقل عن المبادرة إليه بعد
الحض عليه والمناداة وأسوأ أحوال المتثاقل ، وقد دعى الناس إلى الغزاة أن يكون متمسكا بشعبة من النفاق ، ونعوذ
بالله من التعرض لسخطه .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 192
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص١٩٢