العقود بنفسه كالبالغ ، والآخر أن يكون وظيفته أن يساوم وتقرير الثمن إذا بلغ الامر إلى العقد باشره الولي دونه
وسلم الصبي الثمن . فأما الرشد فالمعتبر عند مالك رضي الله عنه فيه هو أن يحرز ماله وينميه وإن كان فاسقا في حاله .
وعند الشافعي المعتبر صلاح الدين والمال جميعا ، وغرضنا الآن أن نبين وجه تنزيل مذهب مالك في هذه الآية ،
والله المستعان - فأما منعه من الايتاء قبل البلوغ وإن كان ظاهر الآية أن الايتاء قبله من حيث جعل البلوغ وإيناس
الرشد غاية للايتاء والغاية متأخرة عن المغيا ضرورة ، فيتعين وقوع الايتاء قبل ، ولهذه النكتة أثبته أبو حنيفة قبل
البلوغ والله أعلم . فعلى جعل المجموع من البلوغ وإيناس الرشد هو الغاية حينئذ يلزم وقوع الابتلاء قبلهما : أعني
المجموع وإن وقع بعد أحدهما وهو البلوغ لان المجموع من اثنين فصاعدا لا يتحقق إلا بوجود كل واحد من
مفرديه . ويحقق ويحقق هذا التنزيل أنك لو قلت وابتلوا اليتامى بعد البلوغ حتى إذا اجتمع الأمران وتضاما البلوغ والرشد
فادفعوا إليهم أموالهم ، لاستقام الكلام ولكان البلوغ قبل الابتلاء وإن كان الابتلاء مغيا بالامرين واقعا قبل
مجموعهما . ونظير هذا النظر توجيه مذهب أبي حنيفة في قوله : إن فيئة المولى إنما تعتبر في أجل الايلاء لا بعده ،
وتنزيله على قوله تعالى - للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - فجدد به عهدا
يتضح لك تناسب النظرين والله أعلم . وأما اقتصاره رضي الله عنه بالرشد على المال ، فإن كان المولى عليه فاسق
الحال فوجه استخراجه من الآية أنه علق إيناس الرشد فيها بالابتلاء بدفع مال إليهم ينظر تصرفهم فيه ، فلو كان المراد
صلاح الدين فقط لم يقف الاختبار في ذلك على دفع المال إليهم ، إذ الظاهر من المصلح لدينه أنه لا يتفاوت حاله
في حالتي عدمه ويسره ، ولو كان المراد صلاح الدين والمال معا كما يقوله الشافعي رضي الله عنه لم يكن صلاح
الدين موقوفا على الاختبار بالمال كما مر آنفا ، وأيضا فالرشد في الدين والمال جميعا هو الغاية في الرشد وليس الجمع
بينهما بقيد ، وتنكير الرشد في الآية يأبى ذلك ، إذ الظاهر فإن آنستم منهم رشدا ما فبادروا بتسليم المال إليهم غير
منتظرين بلوغ الغاية فيه ، والله أعلم .
قال محمود ( فإن قلت فما وجه نظم الكلام الواقع بعد حتى ، إلى قوله : فادفعوا إليهم أموالهم الخ ) قال أحمد :
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 501
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٥٠١