قال محمود رحمه الله ( فإن قلت : كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انقضاء مدة التربص الخ ؟ ) قال
أحمد رحمه الله : هذا جواب عن سؤال موجه على أبي حنيفة رحمه الله ، لأن إذا رأى الفيئة في الأشهر الأربعة خاصة
لا فيما بعدها والله تعالى عطف الفيئة على تربص أربعة أشهر بالفاء ، ومقتضاها كما علمت وقوع ما عطفه بعد
ما عطفه عليه فيلزم وقوع الفيئة المعتبرة بعد انقضاء الأشهر الأربعة ، وأبو حنيفة يأباه فلذلك أجاب عنه الزمخشري
بجوابه المتقدم ، والسؤال عندي يندفع بطريق آخر وهو أن المعطوف عليه التربص وهو حاصل من أول المدة
فوقوع الفيئة في المدة بعد التربص فلا يحتاج إلى الجواب بالمثال المذكور ، وإنما أوقع الزمخشري في التزام السؤال ،
تسليمه لتقدم الفيئة في الأربعة الأشهر على تربصها بناء منه على أنه لا يصدق قول القائل : قد تربصت بفلان أربعة
أشهر إلا إذا انقضت المدة ، وليس الأمر كذلك فإنه يصدق من الحاكم أن يقول عند ضرب أجل المولى : قد
تربصت لك أربعة أشهر كما قال الله تعالى لينظر أيفئ أم لا ؟ ويصدق رب الدين في أن يقول لمديانه حالة القرض :
قد أجلتك بهذا الدين سنة وإن كان المقتضى منها حينئذ دقيقة واحدة ، فلذلك التربص المعطوف عليه في الآية واقع
عند ضرب الأجل المذكور ، فالفيئة الواقعة في الأجل إنما تقع بعده فالفاء على بابها المعروف .
قال محمود رحمه الله ( فإن قلت : ما تقول في قوله - فإن الله سميع عليم - الخ ) قال أحمد رحمه الله : في هذا
الجواب إسلاف جواب عن سؤال آخر يتوجه على أبي حنيفة رحمه الله فيقال له : إذا كان مضى الأربعة الأشهر
يوجب عندك وقوع الطلاق بنفسه غير موقوف على إيقاع من أحد ، فما الذي يسمع إذا وهو أمكن من السؤال الذي
قدره الزمخشري ، فان لقائل أن يقول : عبر بالعزم عن الايقاع لأنه يستلزمه غالبا ، وفى أثناء كلامه نكتة تحتاج إلى
التنبيه عند قوله : والعزم مما يعلم ولا يسمع ، والذي ننبه عليه أن قاعدة أهل السنة أن كل موجود يجوز أن يسمع
حتى الجواهر والألوان والمعاني بجملتها ، وكذلك يعتقد أن موسى عليه السلام سمع الكلام القديم وليس بحرف ولا
صوت ، فلا يتوقف السمع عندهم على أن يكون المسموع صوتا ولا نطقا ، غير أن المعتاد انقسام الموجودات إلى
مسموع ومرئى وملموس ومشموم ومذوق وهو المعلوم بالحس وإلى معلوم بغير ذلك ، وعلى هذا المعتاد جرت
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 364
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٦٤