الطاهرة في خطبتها مخاطبة أبا بكر والقوم معه : « كنتم تشربون الطّرق « 1 » ، وتقتاتون الورق ، أذلّة خاشعين تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم فأنقذكم اللّه برسوله » « 2 » .
ولعلّ في ذلك اليوم كان ما رواه الماوردي في أعلام النبوّة « 3 » من طريق مالك بن أنس : « أنّه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دخل المسجد فوجد أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما فسألهما فقال : ما أخرجكما ؟ فقالا : أخرجنا الجوع . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : وأنا أخرجني الجوع ؛ فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التّيهان فأمر له بحنطة أو شعير عنده يعمل . . . » .
ثمّ متى أدركت عائشة العهد الجاهليّ وقد ولدت بعد المبعث بأربع أو خمس سنين « 4 » ؟ وهل كانت تفخر في دور الإسلام بثروة بائدة في الجاهليّة وصاحبها جائع في الحال الحاضر ؟ !
ولست أدري ما الّذي قضى على تلكم الآلاف المؤلّفة ؟ ! وما الّذي أفناها وأبادها وأفقر صاحبها ، حتّى أصبح ولا يملك شيئا ؟
ولو كان أنفق أيّ أحد عشر معشار ذلك المال لدوّخ العالم صيته ، وكان يومئذ يعدّ في الرعيل الأوّل من أجواد الدنيا ، ولم يوجد في صحيفة التاريخ ذكر من تلكم الآلاف والكراسي والحلل .
هب ، أنّ الذهبي قال في حديث عائشة : « ألف الثانية باطلة قطعا ؛ فإنّ ذلك لا يتهيّأ لسلطان العصر » .
هامش
( 1 ) - « الطرق » بفتح المهملة : الماء المجتمع الّذي خيض فيه وبيل وبعر فكدر ؛ لسان العرب [ 8 / 151 ] .
( 2 ) - بلاغات النساء : 13 [ ص 24 ] ؛ أعلام النساء 3 : 1208 [ 4 / 117 ] .
( 3 ) - أعلام النبوّة : 146 [ ص 220 ، باب 20 ] .
( 4 ) - الإصابة 4 : 359 [ رقم 704 ] ؛ وتاريخ ابن عساكر 1 : 304 [ 3 / 197 ] .