أبدال ، شواهد مناقبهم باهرة ، ودلائل مجدهم ظاهرة . ومن العجب العجاب ، أن سلطانهم المالك ، هان عليه ترك تلك الممالك ، وقال لنفسه اله ( 1 ) وآلك ، وإلا فأنت في الهوالك ، وأجفل إجفال الرّال ( 2 ) ، وطفق إذا رأى غير شئ ظنه رجلا بل رجال ، * ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وعُيُونٍ ، وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ، ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ) * ( 3 ) . لكنّه جلّ وعزّ لم يورّثها قوما آخرين ، تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين ؛ بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين ، وبلاهم فألفاهم صابرين ، فألحقهم بالشّهداء الأبرار ، ورفعهم إلى درجات المصطفّين الأخيار ، * ( وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ والله يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * ( 4 ) ، فجاس خلال تلك الدّيار - أهل الكفر والإلحاد ، وتحكَّم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد ، فأصبحت تلك القصور ، كالمحوّ ( 5 ) من السّطور ، واضت ( 6 ) تلك الأوطان ، مأوى الصّدى ( 7 ) والغربان ، تتجاوب في نواحيها البوم ، وتتناوح في أرجائها الريح السّموم ، يستوحش فيها الأنيس ، ويرثى لمصابها إبليس
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 95
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٩٥
كأن لم يكن فيها أوانس كالدّمى * وأقيال ملك في بسالتهم أسد
فمن حاتم في جوده وابن مامة * ومن أحنف إن عدّ حلم ، ومن سعد !
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا * لنا عبرة تدمى الحشا ولمن بعد
هامش
( 1 ) كذا في ابن خلكان ، وفي الأصلين : « الهوالك » .
( 2 ) الرّال : ولد النعام .
( 3 ) سورة الدخان 25 - 27 .
( 4 ) سورة البقرة 216 .
( 5 ) كذا في ب وابن خلكان والأصل : « كالمهجور » .
( 6 ) ب : « وأصبحت » ، وفي ابن خلكان : « فأصبحت » .
( 7 ) ابن خلكان : « الأصداء » .