فقال لهم المستنصر : إن القاضي قد هجاكم ؛ فقلنا : نجلّ القاضي عن ذكره في مجلس مولانا ، فقال : قد بدأكم ، والبادى أظلم . فقلنا : إن رام المحافقة بحضور الشيخ أبى على القالى حافقناه على وهمه ، ومدّ محمد بن أبي الحسين يده إلى الدّواة وكتب :
هلمّ فقد دعوت إلى البراز * وقد فاخرت قرنا ذا نجاز ( 1 ) ولا تمش الضّراء فقد أثرت ال * أسود الغلب تخطر باحتفاز ( 2 ) وأصحر للَّقاء تكن صريعا * بماضى الحدّ مصقول الجراز ( 3 ) رويت عن الخليل الوهم جهلا * بجهلك بالكلام وبالمجاز
دعوت له بخير ثم أنحت * يداك على مفاخر بالعزاز ( 4 ) تهدّمها وتجعل ما علاها * أسافلها ، ستجزيك الجوازي
جزى اللَّه الإمام العدل عنّا * جزاء الخير فهو له مجازى
به وريت زناد العلم قدما * وشرّف طالبيه باعتزاز
وجلَّى عن كتاب العين دجنا * وإظلاما بنور ذي امتياز
بأستاذ اللغات أبى عليّ * وأحداث بناحية الطَّراز
بهم صحّ الكتاب وصيّروه * من التصحيف في ظلّ احتراز
وعرضت على المستنصر فرآها وضحك وقال : قد انتصرت ، وأمر بها فختمت ، ثم وجه بها إلى القاضي ، فلم يسمع له بعد ذلك كلمة .
هامش
( 1 ) القرن ، بالكسر : كفؤك في الشجاعة .
( 2 ) الضراء ، بالفتح والمدّ : الشجر الملتف في الوادي ؛ ويقال : فلان يمشى الضراء إذا مشى مستخفيا . والغلب : جمع أغلب ، وهو الأسد الغليظ الرقبة .
( 3 ) الجراز : السيف القاطع .
( 4 ) العزاز في الأصل : الأرض الصلبة .