قال أبو إسحاق إبراهيم بن السريّ الزجاج : إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس باللغة . وقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش والمبرّد وثعلب : إن سيبويه لما قدم العراق على أبى على يحيى بن خالد البرمكيّ سأله عن خبره والحال التي ورد لها . فقال : جئت لتجمع بيني وبين الكسائيّ ، فقال له : لا تفعل ، فإنه شيخ مدينة السّلام وقارئها ومؤدّب أمير المؤمنين ، وكلّ من في المصر له ومعه . فأبى إلا الجمع بينهما . فعرف الرشيد خبره ، فأمره بالجمع بينهما ، فوعده بيوم . فلما كان ذلك اليوم غدا سيبويه وحده إلى دار الرشيد ، فوجد الفرّاء وهشاما والأحمر ومحمد بن سعدان قد سبقوه ، فسأله الأحمر عن مائة مسألة ، فأجابه عنها ، فما أجابه بجواب إلا قال : أخطأت يا بصريّ : فوجم [ لذلك ] ( 1 ) سيبويه وقال : هذا سوء أدب . ووافى الكسائيّ - وقد شق أمره عليه - ومعه خلق كثير من العرب ، فلما جلس قال له : يا بصريّ ، كيف تقول : خرجت فإذا زيد قائم ؟ فقال : خرجت فإذا زيد قائم ، فقال الكسائيّ : أيجوز : فإذا زيد قائما ؟ قال : لا . قال الكسائيّ : كيف تقول : قد كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور ، فإذا هو هي ، أو فإذا هو إياها ؟ . فقال سيبويه : فإذا هو هي ؛ ولا يجوز النصب . فقال الكسائيّ : لحنت ! وخطَّأه الجميع . وقال الكسائيّ : العرب
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 358
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٣٥٨
أخبرنا أبو الحسن المدائنيّ قال : قال أبو عمرو بن يزيد : احتضر سيبويه النحويّ فوضع رأسه في حجر أخيه فأغمي عليه . قال : فدمعت عين أخيه ، فأفاق ، فرآه يبكى فقال :
وكنّا جميعا فرّق الدهر بيننا * إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا !
هامش
( 1 ) من طبقات الزبيديّ .