تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
تلجلج مضغة فيها أنيض * أصلَّت فهي فوق الكشح داء ( 1 ) غَصِصْتَ بِنيئِها فَبَشِمْتَ عنها * وعندي لو طلبت ( 2 ) لها دواء

فقال الأحمر للأصمعيّ : ما يتعرض لك في اللغة إلَّا مجنون . وكان الأحمر هذا في أوّل أمره من الجند ، من رجالة النوبة على باب الرشيد ، وكان يحب علم العربية ولا يقدر على مجالس الكسائي إلا في أيام غير نوبته ، وكان يرصد مصير الكسائيّ إلى دار الرشيد ، ويعرض له في طريقه كل يوم ؛ فإذا أقبل تلقّاه وأخذ بردائه حتى ينزل ، ثم أخذ بيده وماشاه إلى أن يبلغ إلى الستر ، وسأله في طريقه عن المسألة بعد المسألة ، فإذا دخل الكسائيّ رجع إلى موضعه ، فإذا خرج الكسائي من الدار تلقاه إلى الستر ، وأخذ بيده فماشاه ، وسأله حتى يركب ويتجاوز الموضع ، ثم ينصرف إلى مكانه . ولم يزل كذلك يتعلم المسألة بعد المسألة حتى قوى وتمكن . وكان فطنا حريصا ، فلما أصاب الكسائيّ الوضح ( 3 ) في وجهه وبدنه كره الرشيد ملازمته أولاده ، وأمره أن يرتاد لهم من ينوب عنه ممن يرتضى به . وقال له : إنك قد كبرت ، ونحن نحبّ أن نريحك ؛ لسنا نقطع عنك جاريك ( 4 ) ، فجعل يدافع بذلك ، وينوى أن يأتيهم برجل فيغلب على موضعه . إلى أن ضيق عليه الأمر وشدد وقيل له : إن لم تأتنا أنت من أصحابك برجل ارتدنا لهم من يصلح - وكان قد بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداذ والأخفش - فقلق لذلك ، وأراد أن يدخل إليهم من لا يخشى عاقبته ، فقال للأحمر : هل فيك خير ؟ قال : نعم ،

هامش
( 1 ) الأنيض : اللحم الذي لم ينضج . وأصلت : أنتنت ، والكشح : الجنب .
( 2 ) في الديوان : « أردت » .
( 3 ) الوضح : البرص .
( 4 ) الجاري : ما يجرى على الإنسان من رزق الوظيفة .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 315 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي بن يوسف القفطي