تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

وقال حمدون النحويّ الملقب بالنعجة ( 1 ) : كنا عند المهريّ يوما ، فقال : اخرجوا بنا إلى مأجل ( 2 ) مهريّة نتفرّج ، وكانت داره بالقرب من سوق الأحد ، فخرجنا فجلسنا حوله ؛ إلى أن مرّ بنا نحو عشرين بغلا أو أكثر ، ومعها رجل راكب ؛ فلما رأى المهريّ عدل إليه ونزل ، ثم قال : يقرأ مولاي عليك السلام ، وقد وجّه إليك بهذه الدوابّ وهى محمّلة طعاما وعسلا وخلَّا وزيتا ، وبهذه العشرين دينارا . فقبضها منه تكرّها ؛ ثم دمع وقال : ذهب الناس ! ( إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ) ! أبو عليّ ابن حميد يوجّه إليّ بهذا ! قال حمدون : فقلت له احمد اللَّه واشكره ، فإنّ هذا كثير . قال : فنظر إليّ وهو مغضب ، ثم قال : هو كثير لك ولأمثالك ، فأمّا لي فلا ! وقال أبو عبد اللَّه الدارونيّ : مرّ المهريّ بناحية القيسارية عند الصيارفة ، فقام إليه فنى كان يختلف إليه ، ويستمع منه ، فقال له : إلى أين أصلحك اللَّه يا أبا الوليد ؟ قال : إلى سوق الطعام ، أشتري بهذين الدينارين قمحا . فمدّ الفتى يده إلى صرّة . وكانت في كمة ، فدفعها إليه وقال : استعن بها - أصلحك اللَّه - على شرائك القمح . فأخذها ثم مضى غير بعيد ، وهو يظن أنها دراهم ، ففتحها فإذا فيها خمسون دينارا ، فانصرف إليه ، فلما رآه الرجل تلقاه ، فأخرج المهريّ الصرّة وقال : أخاف أن تكون قد غلطت ؛ إنها دنانير ، فقال : ما غلطت - أصلحك اللَّه - وإني لمحتشم من التقصير . وقال الدارونيّ : مشيت يوما مع أبي الوليد المهريّ ، إلى أن مررنا بالجزارين ، فقام إليه رجل منهم ، فقال : يا أبا الوليد ، أضررت بي ؛ لأن بضاعتي كلَّها عندك ، ولا بدّ من قبض مالي قبلك ، فاعتذر إليه وسأله الصبر فأبى . فمرّ بنا رجل فقال : كم لك على الشيخ ؟ فقال : عشرة دنانير ، فقال : هي عليّ ، مرّ حتّى

هامش
( 1 ) هو محمد بن إسماعيل أبو عبد اللَّه القيرواني المعروف بحمدون النعجة ، تقدمت ترجمته للمؤلف في الجزء الأوّل ص 367 .
( 2 ) المأجل في الأصل : البركة العظيمة التي تستنقع فيها المياه ، وكان بباب القيروان مأجل عظيم جدا ، وللشعراء فيه أشعار مشهورة ، وكانوا يتنزهون فيه .