ولما تحقّق ابن باديس مكانته من الأدب ومحلَّه من قول الشعر قرّبه ، فامتدحه بقصيدة صاربها في جملته ، ونسب لأجلها إلى خدمته ، ولزم ديوانه وأخذ الصلة منه ، وحمل على مركب يميّز به ، فمن قوله في مديحها :
لدن الرماح لما تسقى أسنتها * من مهجة القيل أو من مهجة البطل ( 1 ) لو أورقت من دم الأعداء سمرقنا * لأورقت عنده سمر القنا الذّبل
إذا توجّه في أولى كتائبه * لم تفرق العين بين السّهل والجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنّته * نفض العقاب جناحيها من البلل
يأتي الأمور على رفق وفى دعة * عجلان كالفلك الدّوار في مهل
ومن قوله من قصيدة في العتاب :
أجدّك لم أجد للصّبر بابا * فتدخله على سعة وضيق
بلى وأقلّ ما لاقيت يسلى * ولكن لا أرى عتب الصديق
نهضت بعبء إخواني فزادوا * وأثقل ما يرى حمل المطيق
ولكن ربّ إحسان وبرّ * دعا بعض الرجال إلى العقوق
فإن أصبر فعن إفراط جهد * وإن أقلق فحسبك من قلوق
يقول فيها :
حصلت من الهوى في لجّ بحر * بعيد القعر منخرق عميق
سأعرض عنك إعراضا جميلا * وأبدى صفحة الوجه الطَّليق
ولا ألقاك إلا عن تلاق * بعيد العهد بالذكرى سحيق
لتعلم أنني عفّ السجايا * عزوف النفس متّبع البروق
وأنى مذ قصرت يديّ طالت * إليك يد العدوّ المستفيق
هامش
( 1 ) القيل : الملك . والمهجة : الدم .