تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
رؤياك ، فقصصتها ، فلما قلت : إنه لا يخاف في الله لومة لائم ، قال : إني لأرجو أن يجعلني الله منهم ، فلما قلت : خليفة مستخلف ، قال : قد استخلفنى ، فأسأله أن يعينني على ما ولاني ، فلما ذكرت : شهيد مستشهد ، قال : أنّى لي الشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو ؟ ثم قال : بلى ، يأتي الله بها أنّى شاء ، يأتي الله بها أنّى شاء . وكان عمر ، رحمه الله ، ملازما للحج في سنى خلافته كلها ، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة في موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية ، ويحجر عليهم الظلم ، ويتعرف أحوالهم في قرب ، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم فيه . فلما كانت السنة التي قتل منسلخها ، رضي الله عنه ، خرج إلى الحج على عادته ، وأذن لأزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم فخرجن معه ، فلما وقف عمر ، رحمه الله ، يرمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه ، وثم رجل من بنى لهب ، قبيلة من الأزد ، تعرف فيها العيافة والزجر ، وإياها عنى القائل :
تيممت لهبا أبتغي العلم عندهم * وقد رد علم العالمين إلى لهب
فقال اللهبى عندما أدمى عمر ، رحمه الله : أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها . ويروى عن عائشة ، رضي الله عنها ، وحجت مع عمر تلك الحجة : أنه لما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم ، قالت : فقال وأنا أسمع : أين كان منزل أمير المؤمنين ؟ فقال قائل : هذا كان منزله ، فأناخ في منزل عمر ، ثم رفع عقيرته يتغنى :
عليك السلام من أمير وباركت * يد الله في ذلك الأديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق
قالت عائشة : فقلت لبعض أهلي : اعلموا لي من هذا الرجل ، فذهبوا ، فلم يجدوا في مناخه أحدا ، قالت عائشة : فوالله إني لأحسبه من الجن ، فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد . وقال سعيد بن المسيب : لما صدر عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، من منى أناخ بالأبطح ، ثم كوم كومة بطحاء ، ثم طرح عليها رداءه واستلقى ، ثم مد يديه إلى السماء ، فقال : اللهم كبرت سنى ، وضعفت قوتى ، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط ، ثم قدم المدينة ، فخطب الناس فقال : أيها الناس ، قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ، وضرب بإحدى يديه على الأخرى .