وفى بعض ما ذكره الطبري « 1 » عن سيف عن شيوخه أن انبعاث الأعاجم للاجتماع بنهاوند كان بدؤه في زمان سعد بن أبي وقاص بالكوفة ، وإليه بلغ الخبر فأعلم به عمر ، ثم انبرى لسعد قوم تشكوا منه ظالمين له إلى عمر ، أحدهم الجراح بن سنان الأسدي ، فاستقدمه عمر مع محمد بن مسلمة ، بعد أن وجه محمدا لسؤال أهل الكوفة عنه ، والطواف به على مساجدها ، فكلهم يقول إذا سئل : لا نعلم إلا خيرا ، ولا نشتهي به بدلا ، إلا الجراح وأصحابه فإنهم كانوا يسكتون ، يتعمدون ترك الثناء ، ولا يسوغ لهم قول الشر ، حتى انتهوا إلى بنى عبس ، فقال محمد : أنشد الله رجلا علم حقا إلا قاله .
فقال أسامة بن قتادة : اللهم إذ نشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في الرعية ، ولا يغزو في السرية . فقال سعد : اللهم إن كان قالها كاذبا رياء وسمعة فأعم بصره ، وأكثر عياله ، وعرضه لمضلات الفتن . فعمى ، واجتمع عنده عشر بنات ، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها ، فإذا غير عليه يقول : دعوة سعد الرجل المبارك .
ثم أقبل سعد يدعو على أولئك النفر الذين انبروا له وخرجوا إلى عمر متشكين به ، فقال : اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا وكذبا فأجهد بلاءهم ، ففعل الله ذلك بهم ، فقطع جراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن علي ليغتاله بساباط ، وشدخ قبيصة بالحجارة ، وقتل أربد بالوج ء وبنعال السيوف . وقال سعد : والله إني لأول رجل هراق دما في المشركين ، ولقد جمع لي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أبويه ، وما جمعهما لأحد قبلي ، ولقد رأيتني خمس الإسلام ، وبنو أسد تزعم أنى لا أحسن أصلى وأن الصيد يلهينى . وخرج محمد بن مسلمة به وبهم حتى قدموا على عمر ، فقال : يا سعد ، ويحك ! كيف تصلى ؟ فقال : أطيل الأوليين ، وأحذف الأخريين ، فقال : هكذا الظن بك ، ثم قال : لولا الاحتياط لكان سبيلهم بيننا ، ثم قال : من خليفتك يا سعد على الكوفة ؟ فقال : عبد الله بن عبد الله بن عتبان ، فأقره عمر واستعمله .
قال « 2 » : فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد ، وأما الوقعة ففي زمان عبد الله .
وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد ، فتوافوا إلى نهاوند مائة وخمسين ألف مقاتل ، واجتمعوا على الفيرزان ، وإليه كانوا توافوا ، ثم قالوا : إن محمدا الذي جاء العرب بالدين لم يغرض غرضا ، يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قالوا : ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض
هامش
( 1 ) انظر : الطبري ( 4 / 120 ) .
( 2 ) انظر : الطبري ( 4 / 122 ) .