تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلا قائلا يقول : يا معشر المسلمين ، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون ، فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر ، فندب سعد الناس إلى العبور ، فأتاه قوم من العجم ممن قد اعتقد منه ذمة فقالوا : ندلك على موضع أقل غمرا من هذا ، فدلوه على ديلمايا « 1 » . وقيل « 2 » : إن سعدا رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها ، وقد أقبلت من المد بأمر عظيم ، فعزم على تأويل رؤياه على العبور ، وفى سنة جود صيبها متتابع ، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه ، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا ، فيناوشونكم في سفنهم ، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه ، فقد كفاكموهم أهل الأيام ، وأعطوا ثغورهم ، وأفنوا ذادتهم ، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا : ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعا : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل ، فقال : من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس ، وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات ، واستعمل عليهم عاصما ، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة فقال : من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا ؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ، ليكون أسلس لعوم الخيل ، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم وقد شدوا على خيولهم حزمها وألبابها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم ، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلا مثلها ، فاقتحموا إليهم دجلة ، فلقوا عاصما في السرعان ، وقد دنا من الفراض ، فقال : الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون ، فالتقوا ، فاطعنوا في الماء ، وتوخى المسلمون عيونهم ، فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيلهم حتى ما يملكون منها شيئا ، فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم ، ونجا باقيهم عورانا . ونزلت بالمسلمين خيولهم حتى انتقضت على الفراض ، وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين . ويروى أن أولئك الستين خرجوا يومئذ من دجلة منقطعين زمرا ، الزمرة الأولى تسعة فيهم عاصم ، والثانية ثمانية عشر ، والثالثة ثلاثة وثلاثون ، ويومئذ سميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال ، لما رأى منهم في الماء والفراض .
هامش
( 1 ) ديلمايا : موضع بالعراق على دجلة . انظر الخبر والتعريف في : الروض المعطار ( ص 249 ) . ( 2 ) انظر : الطبري ( 4 / 9 ، 10 ) .