ذلك كجمعه في الأمزجة بين العناصر الأربعة على اختلافها وتضادّها ، وبين الأرواح اللَّطيفة والنّفوس المجرّدة ، وبين هذه الأبدان المظلمة الكثيفة على وفق حكمته وكمال قدرته . وقوله : وغرز غرائزها ، اى : أثبتها فيها وركزها ، وغريزة كل شيء طبيعته وخلقه وما جبل عليه من خاصة أو لازم كالتعجّب والضّحك للانسان ، والشّجاعة للأسد ، والجبن للأرنب ، والمكر للثعلب . وقوله : وألزمها أشباحها ، اى : اشخاصها إذ كانت كل طبيعة كلية انّما توجد في شخص ، وروى اسناخها ، والسنخ الأصل اى : جعلها لازمة لأصلها وهى طبائع الموجودات وماهيّاتها ، والضمير في قوله : والزمها ، عائد إلى الغرائز ويجوز ان يعود إلى الأشياء ، ويكون المعنى انّه تعالى لما غرّز غرائز الأشياء ألزمها بعد كونها كلَّية اشخاصها . وقوله : عالما إلى قوله : احنائها : فاحاطته بذلك علمه بما ينحلّ اليه ماهيّاتها من اجزائها وينتهى به منها ، وهى حدودها ، أو بما ينتهى به وبحدّها من الأفعال والنّهايات ( 1 ) وقرائنها ما يقرن منها ويلائمها كالنفس للبدن ، وبعض الطبائع لبعض الأشياء دون بعض ، واحناؤها ونواحيها وجوانبهما ، وبيان ذلك تبيان : انّه تعالى عالم بكلّ معلوم من الكلَّيات والجزئيات وقد بيّن ذلك في العلم الإلهي . وقوله : ثمّ أنشأ ، إلى قوله : سبع سماوات : كالتفصيل لخلق العالم وابتدائه ، والأجواء : جمع جوّ وهو الفضاء الواسع ، والأرجاء جمع رجاء مقصور ، وهو : الناحية ، والسكائك : جمع سكاكة كذؤابة وذوائب وهو : الفضاء ما بين السماء والأرض والهواء : المكان الخالي . واعلم انّ خلاصة ما يفهم من هذا الفصل انّه قد كان قبل وجود العالم فضاء واسع ، هو الخلأ في عرف المتكلَّمين فأنشأ اللَّه تعالى فيه احياز أجسام العالم ، وفتقها اى : شقّها واعدّها لخلق الأجسام وتكوينها فيها ، ثم خلق ماء متلاطما تيّاره اى : متردّدا معظمه ، ومتراكما زخّاره اى : ممتل بعضه فوق بعض ، فأجازه فيها اى : اجراه ، وروى احاره اى :
اختيار مصباح السالكين — صفحة 65
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦٥
هامش
( 1 ) في نسخة ش كذا : أو بهما ينتهى به منها وهي حدودها أو بهما وافق به ولائمها من الافعال .