ومن تركيب هذه النتيجة مع قوله : وكمال توحيده الاخلاص له ، ومن تركيب هذه مع قوله : وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه ، انّ كمال معرفته نفى الصفات عنه وهو المطلوب . إذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يريد بالمعرفة التي هي اوّل الدين ، المعرفة الناقصة التي هو اوّل متحصّل في النفس من مراتب المعرفة ، ويحتمل أن يريد بها التّامة إذ هي العلَّة الأولى في التصوّر الاجمالي للسّالكين وغاية في السلوك ، وفي اطلاق الكمال هاهنا تنبيه على انّ معرفته تعالى بكنه حقيقته غير ممكنة ، لانّها مقولة بالاشدّ والأضعف فلم تكن ممكنة الَّا بحسب رسوم ناقصة تركبّت من أسلوب واعتبارات إضافية تلزم معقوليته ( 1 ) تعالى . ولما لم تكن متناهية لم ( 2 ) تقف المعرفة بحسبها عند كل حدّ ، بل كانت متفاوتة بالزيادة والنقصان والجلاء والخفاء . وامّا بيان المقدمة الأولى من القياس المذكور ، فلانّ المتصوّر لمعنى الصانع عارف به من تلك الجهة معرفة ناقصة إذ هي من ضرورية كونه موجدا للعالم فكان اعتبار التصديق بوجوده كمالا لتلك المعرفة . وامّا الثانية فلانّ وجود الواجب تلزمه الوحدة المطلقة إذ لو كان مشتركا بين اثنين لزم ان يتميّز كل منهما بأمر وجودىّ وراء ما به الاشتراك ، فيلزمهما التركيب المستلزم للامكان ، فإذا التصديق بوجوده يلزمه توحيده وتصوّر اللازم كمال لتصوّر ملزومه . وامّا الثالثة فلانّ اعتبار الغير معه تعالى في المحبّة والقصد اليه ، والاعتماد عليه شرك خفىّ ينافي التوحيد الحقّ وان لم يكن منافيا فهو نقصان فكان عدمه ، والاخلاص للَّه كمال التوحيد له ( 3 ) . وامّا الرابعة فقد بيّنها عليه السلام بقياس برهانّى مطوىّ النّتائج استنتج منه ، انّ كل من وصف اللَّه سبحانه فقد جهله .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 59
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٥٩
هامش
( 1 ) في ش : اللَّه تعالى .
( 2 ) في ش بزيادة : لم يمكن أن تقف .
( 3 ) في نسخة ش : كمال توحيده .