تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللَّه عليه وآله ، ثم قال : أمّا بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الخلق - حين خلقهم - غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدّنيا مواضعهم ، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصّواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التّواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم ، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالَّتى نزّلت في الرّخاء ، ولولا الاجل الَّذى كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون : قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللَّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن : يرتّلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلَّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطَّلبون إلى اللَّه تعالى في فكاك رقابهم وأمّا النّهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا : ولقد خالطهم أمر عظيم : لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكَّى أحدهم ، خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيرى ، وربّى أعلم بي منّى بنفسي . اللَّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم : أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجمّلا في فاقة ،
اختيار مصباح السالكين — صفحة 381 | ابن ميثم البحراني / شيخ محمد هادي الأميني