فإذا الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصوّر مخصوص بجهة ومكان ، فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علو كبيرا ، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقة تامة من غير تخيل وتصوّر وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك . بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل ، فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح ، كما ضربنا من المثال في استكمال الخيال بالرؤية . فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهة ، فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقبها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة ، لأنها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف ، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا « 1 » ) * إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ، ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا ، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة ، كما تنقلب النواة شجرة ، والحب زرعا . ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ! ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع ! فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ! ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة ، كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة .
فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر . إذ تختلف لا محالة بكثرتها ، وقلتها ، وحسنها ، وقوّتها ، وضعفها . ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام [ 1 ] « إنّ الله يتجلَّى للنّاس عامّة ولأبي بكر خاصّة » فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر ، بل لا يجد إلا عشر عشيرة إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره . ولما فضل الناس بسر
شرح
[ 1 ] حديث ان الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصه : ابن عدي من حديث جابر وقال باطل بهذا الاسناد وفي الميزان للذهبي ان الدارقطني رواه عن المحامل عن علي بن عبدة وقال الدارقطني ان علي بن عبدة كان يضع - الحديث : ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن الجوزي في الموضوعات من حديث جابر وأبي بردة وعائشة
هامش
« 1 » الحديد : 22