تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
هي العليا فهو في سبيل الله « وقال عمر رضي الله عنه : تقولون فلان شهيد ، ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا . وقال [ 1 ] ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » من هاجر يبتغى شيئا من الدنيا فهو له « فنقول : هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه . بل المراد بها من لم يرد بذلك إلا الدنيا ، كقوله » من هاجر يبتغى شيئا من الدنيا « وكان ذلك هو الأغلب على همه . وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان ، لا لأن طلب الدنيا حرام ، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام ، لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها . وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ، ولم يكن له ولا عليه ، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر ، فإنه لا يدرى أي الأمرين أغلب على قصده فربما يكون عليه وبالا ولذلك قال تعالى * ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه ِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه ِ أَحَداً « 1 » ) * أي لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط ويجوز أن يقال أيضا : منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو ، وبعيد أن يقال من كانت داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو وإن لم يكن غنيمة ، وقدر على غزو طائفتين من الكفار ، إحداهما غنية ، والأخرى فقيرة ، فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله وللغنيمة ، لا ثواب له على غزوه البتة : ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك . فإن هذا حرج في الدين ، ومدخل لليأس على المسلمين ، لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب . فأما أن يكون في إحباطه فلا نعم الإنسان فيه على خطر عظيم ، لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله ، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي ، وذلك مما يخفى غاية الخفاء ، فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص ، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه ، وإن بالغ في الاحتياط فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين الرد والقبول ، خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر
شرح
[ 1 ] حديث ابن مسعود من هاجر يبتغى شيئا من الدنيا فهو له : تقدم في الباب الذي قبله
هامش
« 1 » الكهف : 110