تسويفه وتأخيره ، فربما يختطف قبل التوبة ، ويقع أمره في المشيئة . فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره ، وامتن عليه بالتوبة ، التحق بالسابقين . وإن غلبته شقوته ، وقهرته شهوته ، فيخشى أن يحق عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل ، لأنه مهما تعذر على المتفقه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلم ، دل تعذره على أنه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين ، فيضعف الرجاء في حقه . وإذا يسرت له أسباب المواظبة على التحصيل ، دل على أنه سبق له في الأزل أن يكون من جملة العالمين . فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيئات ، يحكم تقدير مسبب الأسباب ، كارتباط المرض والصحة بتناول الأغذية والأدوية وارتباط حصول فقه النفس ، الذي به تستحق المناصب العلية في الدنيا ، بترك الكسل ، والمواظبة على تفقيه النفس . فكما لا يصلح لمنصب الرئاسة ، والقضاء ، والتقدم بالعلم ، إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه ، فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ، ولا للقرب من رب العالمين ، إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير . هكذا سبق في الأزل بتدبير رب الأرباب ولذلك قال تعالى * ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها وقَدْ خابَ من دَسَّاها ) * « 1 » فمهما وقع العبد في ذنب ، فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة ، كان هذا من علامات الخذلان . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنّة سبعين سنة حتّى يقول النّاس إنّه من أهلها ولا يبقى بينه وبين الجنّة إلَّا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها » فإذا الخوف من الخاتمة قبل التوبة وكل نفس فهو خاتمة ما قبله . إذ يمكن أن يكون الموت متصلا به ، فليراقب الأنفاس ، وإلا وقع في المحذور ، ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسر
الطبقة الرابعة : أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة ، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ، ومن غير أن يتأسف على فعله . بل ينهمك انهماك
شرح
[ 1 ] حديث إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة - الحديث : متفق عليه من حديث سهل بن سعد دون قوله سبعين سنة ولمسلم من حديث أبي هريرة أن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة الحديث ولأحمد من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة أن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة وشهر مختلف فيه
هامش
« 1 » الشمس : 7 ، 8 ، 9 ، 10