نعم : وتبغض الفقر ، وتأنف من المسكنة ، وذلك فخر المرسلين . وأنت تأنف من فخرهم ، وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر ، وذلك من سوء الظن باللَّه عز وجل وقلة اليقين بضمانه . وكفى به إثما وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا ، وزهرتها ، وشهواتها ، ولذاتها . ولقد بلغنا أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] قال « شرار أمّتى الَّذين غذّوا بالنّعيم فربت عليه أجسامهم » وبلغنا أن بعض أهل العلم قال ، ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم ، فيقال لهم * ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) * « 1 » وأنت في غفلة ، قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا ، فيا لها حسرة ومصيبة . نعم . وعساك تجمع المال للتكاثر والعلو ، والفخر ، والزينة في الدنيا ، وقد بلغنا أنه من طلب الدنيا للتكاثر أو للتفاخر ، لقى الله وهو عليه غضبان . وأنت غير مكترث بما حل بك من غضب ربك ، حين أردت التكاثر والعلو . نعم : وعساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار الله ، فأنت تكره لقاء الله ، والله للقائك أكره ، وأنت في غفلة . وعساك تأسف على ما فاتك من عرض الدنيا ، وقد بلغنا أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال « من أسف على دنيا فاتته اقترب من النّار مسيرة شهر » وقيل سنة . وأنت تأسف على ما فاتك ، غير مكترث بقربك من عذاب الله . نعم : ولعلك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك ، وتفرح بإقبال الدنيا عليك ، وترتاح لذلك سرورا بها ، وقد بلغنا أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال [ 2 ] « من أحبّ الدّنيا وسرّ بها ذهب خوف الآخرة من قلبه » وبلغنا أن بعض أهل العلم قال ، إنك تحاسب على التحزن على ما فاتك من الدنيا ، وتحاسب بفرحك في الدنيا إذا قدرت عليها . وأنت فرح بدنياك ، وقد سلبت الخوف من الله تعالى . وعساك تعنى بأمور دنياك ، أضعاف ما تعني بأمور آخرتك . وعساك ترى مصيبتك في معاصيك ، أهون
شرح
[ 1 ] حديث شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم - الحديث : تقدم ذكره في أوائل كتاب ذم البخل عند الحديث الرابع منه من أسف على دنيا فانته اقترب من النار مسيرة سنة
[ 2 ] حديث من أحب الدنيا وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه : لم أجده إلا بلاغا للحارث بن أسد المحاسبي كما ذكره المصنف عنه
هامش
« 1 » الأحقاف : 20 .