الدنيا ، ثم تحتج بعبد الرحمن ، وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة ، كأنك أشبهت السلف وفعلهم . ويحك ، إن هذا من قياس إبليس ، ومن فتياه لأوليائه وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف ، لتعرف فضائحك ، وفضل الصحابة ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال ، أرادوها للتعفف ، والبذل في سبيل الله ، فكسبوا حلالا ، وأكلوا طيبا ، وأنفقوا قصدا ، وقدموا فضلا ، ولم يمنعوا منها حقا ، ولم يبخلوا بها ، لكنهم جادوا الله بأكثرها ، وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدة آثروا الله على أنفسهم كثيرا . فباللَّه أكذلك أنت ؟ والله إنك لبعيد الشبه بالقوم . وبعد فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللَّه في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير الله مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضراء صابرين ، وفي السراء حامدين . وكانوا لله متواضعين ، وعن حب العلوّ والتكاثر ورعين ، لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم ، ورضوا بالبلغة منها ، وزجوا الدنيا ، وصبروا على مكارهها ، وتجرعوا مرارتها ، وزهدوا في نعيمها وزهراتها . فباللَّه أكذلك أنت ، ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا ، وقالوا ذنب عجلت عقوبته من الله ، وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين . وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء ، أصبح كئيبا حزينا . وإذا لم يكن عندهم شيء ، أصبح فرحا مسرورا . فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا ، وإذا كان عندهم شيء فرحوا ، وأنت لست كذلك . قال إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شيء فرحت ، إذ كان لي برسول الله صلَّى الله عليه وسلم أسوة .
وإذا كان عند عيالي شيء ، اغتممت ، إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة . وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا ، وقالوا ما لنا وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف . وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا ، وقالوا الآن تعاهدنا ربنا فهذه أحوال السلف ونعتهم ، وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا . فباللَّه أكذلك أنت ؟ إنك لبعيد الشبه بالقوم ، وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضدا لأحوالهم وذلك أنك تطغى عند الغنى ، وتبطر عند الرخاء ، وتمرح عند السراء ، وتغفل عن شكر ذي النعماء ، وتقنط عند الضراء ، وتسخط عند البلاء ، ولا ترضى بالقضاء .
إحياء علوم الدين — صفحة 64
مساهمون: الغزالي
ص٦٤